الفوضى بدل التطبيع.. استراتيجية إسرائيلية لإعادة هندسة سوريا ما بعد الأسد

في وقت تتصاعد فيه التسريبات عن قنوات خلفية للتواصل بين إسرائيل والنظام السوري الجديد، تكشف تحليلات ميدانية ومصادر دبلوماسية متطابقة أن تل أبيب لا تسير فعليًا في مسار التطبيع السياسي، بل تتبنى نهجًا مغايرًا يتمثل في تفكيك سوريا وتثبيت الفوضى كخيار إستراتيجي يخدم مصالحها الأمنية والجيوسياسية.

فرغم الحديث الإعلامي عن احتمال انضمام دمشق إلى مسار “الاتفاقيات الإبراهيمية”، إلا أن الوقائع على الأرض، منذ سقوط النظام المخلوع، تؤكد أن إسرائيل تتبع سياسة متعمدة لإبقاء الساحة السورية ضعيفة وممزقة، بما يضمن بقاءها بعيدة عن أي تهديد مباشر أو غير مباشر على المدى المتوسط والبعيد.

أولًا: استثمار إسرائيلي في الفوضى كأداة ردع وحماية

تشير شهادات لمسؤولين أمنيين إسرائيليين، إلى أن تل أبيب تنظر إلى “سوريا الهشة” كبيئة مثالية لحركتها الاستخباراتية والعسكرية، حيث يسهل فيها رصد الأعداء، وتقييد نفوذ اللاعبين الإقليميين.

تمثلت أبرز سياسات هذا النهج في:

  • تكثيف الضربات الجوية في العمق السوري، بعد يوم واحد فقط من سقوط النظام، واحتلال المنطقة العازلة قرب الجولان.
  • دعم بعض الجماعات المحلية المسلحة (مثل قوات قسد والدروز) بهدف إضعاف أي سلطة مركزية.
  • منع إعادة تشكيل جيش سوري وطني قد يطالب بالجولان أو يشكل تهديدًا حدوديًا لاحقًا.

وقد لخّص تامير هيمان، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، هذا التوجه بوضوح حين قال في مقابلة: “الفوضى في سوريا مفيدة لنا… دعهم يتقاتلون مع بعضهم البعض”.

ثانيًا: القلق الإسرائيلي من طبيعة الحكم الجديد في دمشق

تخشى إسرائيل من صعود سلطات توصف بأنها “جهادية إسلامية” إلى رأس الحكم في سوريا، وعلى رأسها “هيئة تحرير الشام”. هذه الجماعات لا يمكن لإسرائيل أن تتعامل معها سياسيًا، ما يجعل من الحل الأمني والعسكري المسار الوحيد في نظرها.

وقد أدى هذا القلق إلى:

  • إلغاء إسرائيل عمليًا لاتفاقية فض الاشتباك الموقعة عام 1974.
  • إنشاء منطقة عازلة جديدة قرب الجولان، بتعليمات من وزير الدفاع الإسرائيلي.
  • تحذيرات إسرائيلية متكررة من تموضع قوى مسلحة قرب حدودها، سواء تابعة للجيش السوري الجديد أو “هيئة تحرير الشام”.

ومع ذلك، يرى محللون أن هذه المخاوف تستخدم أيضًا لتبرير تدخلات إسرائيلية تهدف إلى تحويل الانتباه عن الأزمات الداخلية، وخاصة تداعيات الحرب المستمرة في غزة.

ثالثًا: التوجس من الدور التركي داخل سوريا

تتابع إسرائيل بقلق تزايد نفوذ أنقرة داخل الأراضي السورية، لا سيما في ظل العلاقات القوية بين الحكومة السورية الجديدة وتركيا. وتخشى تل أبيب من أن يسمح هذا التحالف بإعادة ترتيب الأوضاع جنوب سوريا على نحو يُضعف اليد الإسرائيلية.

وقد انعكس هذا القلق في:

  • اجتماعات أمنية إسرائيلية-تركية غير معلنة لتنسيق الأوضاع في سوريا، كان آخرها في باكو.
  • تسريبات إسرائيلية عن نية تركيا إنشاء قواعد عسكرية جديدة داخل سوريا، أبرزها في مطار التيفور.
  • محاولة إسرائيل تعزيز نفوذها عبر خلق كيانات طائفية وعرقية حليفة لها كنوع من التوازن في مواجهة تركيا.

رابعًا: من “التطبيع الدبلوماسي” إلى “التطبيع الأمني”

لا يبدو أن إسرائيل تسعى لتطبيع سياسي حقيقي مع سوريا، بل تفضل ما يمكن تسميته بـ”التطبيع الأمني”، وهو شكل من التعاون المحدود والبراغماتي الذي يضمن لها:

  • تنسيق أمني في ملف الجماعات المسلحة.
  • تفاهمات حول التمركز العسكري.
  • تحييد الجبهة السورية مقابل تجنب اعتراف سياسي بالنظام الجديد.

وقد نقلت وكالة “رويترز” عن مصادر مطلعة أن هناك قناة تواصل أمنية مفتوحة بين دمشق وتل أبيب، تركز على “مكافحة الإرهاب”، دون التطرق إلى الأنشطة العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.

لكن هذا التطبيع يواجه عقبات جوهرية، أبرزها:

  • رفض شعبي واسع في سوريا لأي شكل من أشكال العلاقة مع إسرائيل.
  • غياب حكومة منتخبة أو مستقرة تمتلك الشرعية لاتخاذ قرارات سيادية.
  • استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية التي تقوض أي أرضية للتفاهم.

خامسًا: الهجوم الاستباقي عبر إستراتيجية “الأحزمة الآمنة”

تشير تقارير إسرائيلية إلى اعتماد تل أبيب إستراتيجية هجومية جديدة بعد عملية “طوفان الأقصى”، تهدف إلى:

  • نقل المعركة إلى الأراضي السورية واللبنانية.
  • إقامة أنظمة دفاع برية ثلاثية الطبقات على حدود الجولان وغزة ولبنان.
  • إحداث تغييرات ديموغرافية وسياسية وجغرافية داخل سوريا تضمن لإسرائيل بيئة أمنية مُتحكم بها.

وبحسب صحيفة “يديعوت أحرونوت”، فإن هذه الإستراتيجية تشمل تهديدات مباشرة لدمشق بنزع السلاح في الجنوب السوري، والضغط على الجماعات المسلحة القريبة من الحدود.

إسرائيل لا تسعى إلى تطبيع تقليدي مع النظام السوري الجديد، بل تسعى إلى فرض وقائع ميدانية تتيح لها الهيمنة الأمنية دون الارتباط باتفاق سياسي يقيد حركتها. ومن هنا، فإن الفوضى المدارة تمثل الإستراتيجية المفضلة لتل أبيب: لا دولة قوية تعاديها، ولا انهيار شامل يهدد استقرار حدودها.

وهكذا، تبقى سوريا بالنسبة لإسرائيل مساحة رمادية يجب أن تُدار عبر التوازنات الأمنية، والتحالفات الهشة، والتدخلات الوقائية… لا عبر العلاقات الدبلوماسية الرسمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى