الشرع يغازل واشنطن وتل أبيب.. هل تدفع سوريا ثمن رفع العقوبات؟

في تحوّل مفاجئ ومثير للجدل، كشف عضو الكونغرس الأمريكي كوري ميلز أن الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع أعرب عن انفتاحه لتحسين العلاقات مع إسرائيل، وذلك خلال لقاء رسمي في العاصمة السورية دمشق. التصريحات، التي نقلتها وسائل إعلام أمريكية من بينها “بلومبيرغ”، تفتح الباب على مصراعيه لتساؤلات كبرى حول طبيعة التحولات السياسية في دمشق بعد إسقاط نظام بشار الأسد، ومدى استعداد القيادة الجديدة لتقديم تنازلات جوهرية في مقابل رفع جزئي للعقوبات الغربية.
خلفية الزيارة: أول بعثة رسمية أمريكية بعد الأسد
زيارة النائبين الأمريكيين كوري ميلز ومارلين ستوتزمان إلى سوريا تمثل أول تحرك رسمي أمريكي إلى دمشق منذ الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر الماضي. وقد تم تنظيم الزيارة بالتعاون مع تحالف يُعرف بـ”التحالف السوري الأمريكي للسلام والازدهار”، الذي يسوّق نفسه كجسر للتقارب بين النظام الجديد في دمشق والمؤسسات الغربية.
اللافت في الزيارة أنها لم تكن بروتوكولية فحسب، بل حملت طابعًا تفاوضيًا مباشرًا، تم خلاله تسليم رسالة من الرئيس أحمد الشرع إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عبر النائب ميلز، ما يعكس رغبة سورية في فتح قنوات اتصال مباشرة مع الإدارة الأمريكية الجمهورية.
شروط أمريكية… ومقايضات خطرة
بحسب تقرير لصحيفة واشنطن بوست، عرضت واشنطن على القيادة السورية الجديدة ثمانية شروط لبدء تخفيف العقوبات، أبرزها:
- إصدار قرار رسمي بحظر الميليشيات الفلسطينية على الأراضي السورية.
- ترحيل أعضاء الفصائل الفلسطينية المسلحة من سوريا.
- منع نقل الأسلحة عبر سوريا إلى جهات تستهدف إسرائيل.
- ضمان تدمير الأسلحة الكيميائية المتبقية من عهد الأسد.
وتكشف هذه الشروط بوضوح أن تطبيع العلاقة مع سوريا مرهون بـ تفكيك الدور التقليدي الذي لعبته دمشق في دعم المقاومة الفلسطينية، وهو ما يثير مخاوف جدية من أن يتم تحويل سوريا إلى دولة “محايدة” أو حتى “ودية” تجاه إسرائيل ضمن مشروع إقليمي جديد تقوده واشنطن وتل أبيب.
الشرع وإسرائيل.. رسائل مبكرة ووعود صادمة
النائب الجمهوري ميلز أكد أن الرئيس الشرع أبدى استعداده لـ:
- تحسين العلاقات مع إسرائيل.
- وقف تمرير الأسلحة عبر سوريا.
- تقديم ضمانات أمنية لتل أبيب.
- “العمل من أجل السلام الإقليمي”.
بل وصل الأمر إلى أن الشرع، وفقًا لميلز، أبدى قلقه من النفوذ الإيراني في سوريا، وعبّر عن رغبة في “الاستقلال عن مشاريع زعزعة الاستقرار” التي تتهم طهران بالتورط فيها.
هذا الانفتاح المفاجئ لا يمكن قراءته خارج إطار سعي النظام الجديد إلى كسب الدعم الغربي وفتح أبواب الاستثمار والمعونات، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما هو الثمن الذي ستدفعه سوريا مقابل هذا التقارب؟
بين الوعد بالتنمية والتخلي عن المبادئ
تسويق هذه التحولات على أنها “مقابل الانتعاش الاقتصادي” يعيد إلى الأذهان سيناريوهات مشابهة في المنطقة، حيث تم شراء صمت الأنظمة مقابل مكاسب اقتصادية أو دعم سياسي، وفي النهاية كانت القضية الفلسطينية هي الضحية الدائمة.
إن تخلّي دمشق عن فصائل المقاومة الفلسطينية وطردها من الأراضي السورية، ومن ثم تحويل سوريا إلى شريك محتمل في مشروع التطبيع، سيكون انقلابًا جذريًا على ما كانت تمثله سوريا طوال عقود من دعم المقاومة، حتى في أشدّ لحظات ضعفها.
شرع جديد.. لكن بأي اتجاه؟
يبدو أن النظام السوري الجديد يسير بسرعة نحو إعادة صياغة دوره الإقليمي وفقًا لشروط أمريكية واضحة، وضمن رؤية إسرائيلية “مطمئنة”، مقابل رفع تدريجي للعقوبات.
لكن هذا الانفتاح السريع يطرح مخاوف حقيقية من أن تصبح الهوية السياسية لسوريا الجديدة رهينة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، وأن يتحول “السلام” إلى غطاء لتفكيك محور المقاومة وشرعنة الاحتلال.
سوريا اليوم تقف على مفترق طرق:
- إما أن تحافظ على ثوابتها القومية والاستقلالية رغم الكلفة الاقتصادية.
- أو أن تسلك طريق التنازلات السريعة بحثًا عن انتعاش هش ومؤقت.
والسؤال الذي يُطرح الآن:
هل يتحوّل أحمد الشرع إلى رجل التسويات الإقليمية، ولو على حساب جوهر القضية الفلسطينية؟






