من مكاتب اتصال إلى سفارات كاملة.. المغرب يوسّع التطبيع رغم الرفض الشعبي

لم يعد مسار التطبيع بين المغرب والاحتلال الإسرائيلي مقتصرًا على استئناف العلاقات أو افتتاح مكاتب اتصال محدودة الصلاحيات، بل يتجه نحو مرحلة أكثر رسوخًا وخطورة، عنوانها رفع التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى «سفارات كاملة» وتبادل السفراء، بالتوازي مع توسيع التعاون الأمني والاقتصادي والتكنولوجي.

وبحسب إعلان أعقب اجتماعًا ثلاثيًا ضم وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، ووزير خارجية الاحتلال جدعون ساعر، والمندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، اتُّفق على الدفع باتجاه تبادل السفراء واستئناف الرحلات الجوية المباشرة قبل نهاية العام. كما يشمل المسار استكمال اتفاقيات لحماية الاستثمارات وتجنب الازدواج الضريبي، بما يحوّل التطبيع من قرار سياسي إلى شبكة مصالح مؤسسية يصعب تفكيكها لاحقًا.

الصحراء مقابل تعميق التطبيع

تعيد الخطوة طرح المعادلة التي تأسس عليها استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية عام 2020، حين ربطت واشنطن اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء بعودة العلاقات مع الاحتلال. ويبدو أن الرباط تستخدم الملف نفسه لتبرير الانتقال إلى مستوى أعلى من التطبيع، مقابل تجديد الولايات المتحدة وإسرائيل دعمهما لمقترح الحكم الذاتي المغربي.

لكن هذه المقايضة تثير إشكالية سياسية وأخلاقية؛ إذ يجري توظيف قضية وطنية مغربية لتمرير علاقة متنامية مع الاحتلال، في وقت تتواصل فيه الحرب على الفلسطينيين والاعتداءات في غزة والضفة الغربية. كما أن رفع مستوى العلاقات لا يمنح المغرب ضمانة نهائية غير قابلة للتراجع بشأن الصحراء، لكنه يمنح الاحتلال فورًا شرعية دبلوماسية جديدة ونفوذًا أوسع داخل المنطقة المغاربية.

التطبيع يتجاوز الدبلوماسية

الأكثر دلالة أن الاتفاق لا يتوقف عند افتتاح السفارات. فالتعاون الأمني والتكنولوجي والتجاري يجعل العلاقة جزءًا من بنية الدولة ومؤسساتها، ويمنح الشركات والأجهزة الإسرائيلية مساحة أكبر للعمل والتأثير. وهنا ينتقل التطبيع من مستوى التواصل الرسمي إلى شراكة استراتيجية ممتدة تمس الاقتصاد والأمن وتبادل المعلومات وحركة الاستثمار.

كما تمثل الرحلات الجوية المباشرة أداة لتطبيع العلاقة اجتماعيًا، وإظهارها باعتبارها أمرًا اعتياديًا، رغم استمرار الاحتلال وسياساته بحق الفلسطينيين. وبذلك يصبح افتتاح السفارات واجهة سياسية لمسار أوسع يستهدف إعادة تعريف إسرائيل في الوعي العام، من قوة احتلال إلى شريك إقليمي.

غضب مغربي وفجوة سياسية متسعة

قوبل الإعلان برفض واسع من علماء وكتاب وإعلاميين وسياسيين مغاربة. واعتبر رئيس رابطة علماء المغرب العربي، الحسن بن علي الكتاني، فتح السفارات «عارًا»، مستنكرًا توسيع التعاون في الوقت الذي يعيش فيه الفلسطينيون تحت القصف والتشريد.

وانتقد الصحفي توفيق بوعشرين تبادل السفراء مع حكومة الاحتلال، معتبرًا أن القرار يكشف محدودية تأثير الانتخابات والمؤسسات المنتخبة في الملفات الاستراتيجية. وطرح السياسي حسن بناجح سؤالًا أكثر عمقًا حول جدوى المشاركة السياسية إذا كانت الحكومات والمؤسسات الناتجة عنها لا تستطيع وقف التطبيع أو التأثير في مساره.

تكشف هذه المواقف عن فجوة متزايدة بين القرار الرسمي والمزاج الشعبي المغربي. فالسلطات تراهن على المصالح الجيوسياسية والاقتصادية، بينما يرى قطاع واسع من المجتمع أن العلاقة مع الاحتلال لا يمكن فصلها عن جرائمه بحق الفلسطينيين.

رفع التمثيل إلى سفارات كاملة ليس إجراءً بروتوكوليًا، بل محاولة لتثبيت التطبيع بوصفه واقعًا دائمًا. غير أن استمرار الرفض الشعبي يؤكد أن الاتفاقات تستطيع فتح السفارات وتبادل السفراء، لكنها لا تستطيع وحدها منح الاحتلال قبولًا شعبيًا أو محو حقيقة بقائه قوة احتلال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى