الإمارات تُقنّن الاعتراف بصوماليلاند سرًا… تمهيدًا لجرّه إلى مسار التطبيع مع الاحتلال

رغم موجة التنديد العربي والإسلامي الواسعة التي أعقبت اعتراف الاحتلال الإسرائيلي بإقليم صوماليلاند الانفصالي، تكشف معطيات دبلوماسية متقاطعة أن دولة الإمارات سلكت المسار ذاته ولكن بأسلوب أكثر دهاءً وأقل صخبًا، عبر إجراءات إدارية وتنظيمية تُنتج اعترافًا فعليًا بالإقليم دون إعلان دبلوماسي رسمي، في خطوة يرى مراقبون أنها جزء من مخطط أوسع لجرّ صوماليلاند إلى دائرة التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، بعيدًا عن أعين الرأي العام.

التأشيرات وجوازات السفر… بوابة الاعتراف الصامت

وبحسب مصادر مطلعة على آليات العمل القنصلي وأنظمة التأشيرات، بدأت أبوظبي خلال الأشهر الماضية بإدخال تعديلات عملية في طريقة تعاملها مع وثائق السفر الصادرة عن سلطات صوماليلاند، بما يعكس قبولًا ضمنيًا بالإقليم ككيان مستقل، مقابل تضييق ممنهج على حاملي جوازات السفر الصومالية الاتحادية الصادرة عن الحكومة المعترف بها دوليًا في مقديشو.

وتشير المعلومات إلى أن منصات إماراتية رسمية معنية بإصدار التأشيرات وتنظيم الدخول باتت تقبل جوازات السفر الصادرة عن سلطات صوماليلاند، إضافة إلى وثائق إدارية أخرى مرتبطة بالإقليم، في حين تُقابل طلبات حاملي الجواز الصومالي الاتحادي بإجراءات معرقلة أو رفض فعلي غير مُعلن.

تمييز إداري يُنتج سيادة سياسية

هذا التمييز، وفق مصادر دبلوماسية، لا يمكن اعتباره خللًا تقنيًا أو إجرائيًا، بل يُمثّل سياسة مُحكمة تُدار بعناية، تهدف إلى منح سلطة محلية انفصالية حرية الحركة والتنقل والاعتراف العملي، مقابل تقويض مكانة السلطة الاتحادية المعترف بها دوليًا. وبهذا الأسلوب، تُكرّس الإمارات اعترافًا فعليًا بصوماليلاند، دون تحمّل الكلفة السياسية والدبلوماسية التي يفرضها الإعلان الرسمي الصريح.

من قرار سيادي إلى ممارسة بيروقراطية

وتكمن خطورة هذا النهج في تحويل الاعتراف من قرار سيادي مُعلن، قابل للمساءلة والرفض، إلى ممارسة بيروقراطية صامتة يصعب رصدها أو محاسبتها سياسيًا. فالتعديلات التي طُبّقت على معايير قبول الوثائق، وأنظمة التدقيق، وآليات إصدار التأشيرات، تشكّل مجتمعة إطارًا إداريًا جديدًا يتعامل مع صوماليلاند بوصفها كيانًا قائمًا بذاته، لا إقليمًا تابعًا للدولة الصومالية.

خطاب الوحدة… وممارسة التقويض

المفارقة، بحسب مراقبين، أن أبوظبي تواصل في خطابها العلني التأكيد على دعمها لوحدة الصومال واحترام سيادته، بينما تعمل عمليًا على تقويض هذه الوحدة عبر أدوات إدارية “ناعمة” تُضعف موقع الحكومة الاتحادية، وتمنح الإقليم الانفصالي مكاسب سيادية تدريجية، دون إثارة ضجيج سياسي أو دبلوماسي.

إدارة المخاطر وتوسيع هامش الإنكار

وترى مصادر مطلعة أن هذه السياسة تُدار بحذر شديد لتفادي ردود الفعل الإقليمية والدولية، خاصة في ظل الحساسية المرتفعة لمسألة صوماليلاند داخل الاتحاد الأفريقي، والرفض العربي والإسلامي الصريح لأي مساس بوحدة الأراضي الصومالية. غير أن العمل عبر القنوات الإدارية يمنح الإمارات مساحة إنكار واسعة، رغم وضوح النتائج السياسية المترتبة على هذه الإجراءات.

تناغم إماراتي–إسرائيلي في القرن الأفريقي

وتربط هذه المصادر بين الخطوات الإماراتية المتسارعة والاعتراف الإسرائيلي الأخير بصوماليلاند، معتبرة أن ما يجري ليس تصرفًا منفردًا، بل جزء من نمط تنسيق غير مُعلن في ملفات القرن الأفريقي. فبعد أن كسرت إسرائيل أحد المحظورات عبر الاعتراف العلني بالإقليم، اختارت الإمارات المسار الأكثر هدوءًا، مع الاحتفاظ بالنتيجة نفسها: إضفاء شرعية عملية على كيان انفصالي خارج إطار الدولة المعترف بها دوليًا.

التطبيع هدفٌ مؤجل بخطوات محسوبة

ويذهب محللون إلى أن الهدف الأبعد من هذا المسار لا يقتصر على إعادة تشكيل النفوذ في القرن الأفريقي، بل يمتد إلى تهيئة صوماليلاند للانخراط مستقبلًا في مسار التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، بمعزل عن الدولة الصومالية الاتحادية. فتكريس التعامل مع الإقليم ككيان مستقل إداريًا هو خطوة تمهيدية ضرورية لفتح قنوات سياسية وأمنية واقتصادية مباشرة.

حكومة مُهمَّشة وإقليم رابح

هذا المسار يُضعف، وفق مراقبين، الحكومة الاتحادية الصومالية التي تجد نفسها مُستبعدة إداريًا في ملفات حيوية تتعلق بالسفر والحركة والاعتراف الضمني، ما ينعكس سلبًا على قدرتها في فرض سيادتها وتمثيل مواطنيها في الخارج. وفي المقابل، تستفيد صوماليلاند من هذا الواقع الجديد عبر تراكم ممارسات تُشبه وظائف الدولة المستقلة.

سابقة خطيرة تُعيد رسم الخرائط

وتحذر مصادر دبلوماسية من أن هذا النموذج قد يُشكّل سابقة خطيرة في الإقليم، حيث تستطيع دول ذات نفوذ مالي وإداري فرض وقائع سياسية جديدة عبر الأنظمة والإجراءات، لا عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية، ما يفتح الباب أمام تكريس كيانات انفصالية أخرى بالأسلوب ذاته.

خلاصة: اعتراف يُدار من خلف الستار

في المحصلة، يرى مراقبون أن ما يجري يعكس استراتيجية متكاملة لبسط النفوذ بأدوات صامتة. فبينما ينشغل الخطاب الرسمي بالإدانات والتأكيدات الشكلية على وحدة الدول، تُدار الوقائع الحقيقية خلف الكواليس، حيث يُمنح الاعتراف فعليًا، ويُسحب عمليًا، دون إعلان، ولكن بنتائج سياسية عميقة تمهّد – في حالة صوماليلاند – لمسار تطبيع جديد يُفرض من بوابة الإدارة لا الدبلوماسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى