“صفقة مع كيان زائل”.. مفتي عُمان في وجه التطبيع: صوت الضمير في زمن التواطؤ

مقدمة: حين ينطق الدين بالحق وتخرس السياسة
في وقت تتسابق فيه بعض الأنظمة العربية نحو التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، ويغيب الصوت الديني الرسمي في أغلب الدول، يبرز الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، المفتي العام لسلطنة عمان، كأحد أبرز الأصوات الدينية الصريحة في مواجهة هذا الانحدار السياسي والأخلاقي.
تصريحاته الأخيرة، التي وصف فيها التطبيع بأنه “صفقة خاسرة مع كيان زائل وسلطة منتهية”، جاءت لتعيد ضبط البوصلة الأخلاقية في لحظة تتداخل فيها المصالح السياسية مع خيانة المبادئ.
أولًا: مضمون الرسالة… تحذير لا لبس فيه
في تغريدة نشرها عبر حسابه على منصة “إكس”، وجّه الشيخ الخليلي تحذيرًا واضحًا ممن وصفهم بـ”المتسابقين إلى التطبيع”، متسائلًا:
“أولا يخشى هؤلاء أن تكون صفقتهم من وراء التطبيع صفقة خاسرة؟!.. فيا لها من رزية!”
ولم يكتف بالتلميح، بل حدّد بوضوح أن هذا الكيان مؤقت، غير مرغوب فيه حتى من قبل أهله، ولا يمتلك شرعية البقاء إلا من خلال الحرب والدمار. وبالتالي، فإن أي تطبيع معه هو مكافأة سياسية وأخلاقية على القتل والعدوان.
ثانيًا: موقف ثابت ومتجذّر وليس وليد اللحظة
تصريحات الخليلي ليست استثناءً أو ردّ فعل عابر على الحرب الجارية في غزة، بل امتداد لموقف راسخ عبّر عنه منذ اتفاقيات أبراهام عام 2020، والتي وُقّعت بين الاحتلال وكل من الإمارات والبحرين والمغرب.
حينها، وصف المفتي التطبيع بأنه:
- خيانة للأمة
- تنازل عن الحقوق التاريخية لفلسطين
- إقرارٌ بسلطة مغتصبة على أرضٍ مقدسة
وما زال، حتى اليوم، يحافظ على ذات النبرة الصريحة، رغم التغيرات السياسية التي طالت المنطقة.
ثالثًا: موقف ديني أم موقف وطني؟
في خطابه، لا يفصل الشيخ الخليلي بين الديني والسياسي، بل يقدّم رؤية متكاملة تعتبر القضية الفلسطينية أمانة شرعية قبل أن تكون قضية سياسية، ويؤكد أن نصرة غزة “فرض عين” على كل قادر، لا شعارًا تضامنيًا عابرًا.
تصريحاته توجّه رسائل حادة إلى الأنظمة، والنخب، وحتى القيادات الدينية الصامتة، والتي اكتفت بالمراقبة أو برّرت التطبيع تحت ذرائع المصلحة أو الواقعية.
رابعًا: مكانة الشيخ الخليلي… لماذا يُحدث هذا التأثير؟
الشيخ الخليلي ليس فقط مفتي سلطنة عمان، بل هو أحد أبرز علماء الأمة الذين حافظوا على استقلاليتهم ونزاهتهم في وجه الضغوط السياسية.
- يتحدث بلغة صادقة تُلامس الوجدان.
- لا يساير السلطة، ولا يهادن في قضايا الأمة.
- يتمتع بمصداقية واسعة بين الشباب والنخب الفكرية.
وهذا ما يفسّر التفاعل الهائل مع تغريداته، والتي تنتشر كشرارة في فضاء شبكات التواصل، ليصفه كثيرون بأنه “صوت الضمير” في زمن الصمت.
خامسًا: في وجه التطبيع… من تبقى؟
مع تصاعد موجة التطبيع وهرولة بعض الحكومات نحو “السلام الاقتصادي” مع الاحتلال، تُطرح أسئلة جدية حول من تبقى في موقع الرفض الحقيقي؟
- صوت المقاومة في الميدان لا يزال صلبًا.
- وصوت المفتي في المنبر لا يقل صلابة.
إنهما يشكّلان جبهة واحدة، روحًا وسيفًا، في وجه مشروع تسعى تل أبيب لفرضه ليس فقط على الأرض، بل في وعي الأمة أيضًا.
خاتمة: لا مساومة على القيم
في ظل حرب إبادة تُشنّ على غزة منذ أكتوبر 2023، سقطت الأقنعة، وظهر من يربح من الدم، ومن يبيع قضايا الأمة في المزاد.
لكن صوت الشيخ الخليلي، بثباته وعفّته، يؤكّد أن الضمير لا يُشترى، وأن الشعوب لا تنسى من وقف معها، ومن باعها.
“صفقة خاسرة مع كيان زائل”… ليست مجرد عبارة دينية، بل اختصار دقيق لواقع سياسي بائس، وإنذار مبكر لمن أراد أن يعتبر.






