من الجوع إلى القتل: كيف تحوّلت مراكز المساعدات الأمريكية في غزة إلى “مصائد موت” بإدارة الاحتلال؟

في واحدة من أكثر صور التواطؤ الإنساني بشاعة في التاريخ الحديث، لم تعد المساعدات الغذائية التي تهدف ظاهريًا إلى إنقاذ الجوعى في غزة، سوى كمائن ميدانية مدروسة لاصطياد المدنيين الفلسطينيين. فقد بات واضحًا أن منظومة “المساعدات الأمريكية-الإسرائيلية” الجديدة ليست سوى أداة حرب ناعمة تتحول سريعًا إلى أداة إبادة جماعية.

ففي يوم الأحد الدامي، استشهد ما لا يقل عن 30 فلسطينيًا وأصيب أكثر من 200 آخرين، بعدما توافدوا إلى أحد مراكز “توزيع المساعدات” في منطقة المواصي برفح وموقع “نتساريم” جنوب مدينة غزة.

 “الإغاثة المفخخة”.. عندما يتحوّل الطعام إلى فخ عسكري

كشفت مصادر ميدانية أن الاحتلال، عبر ما تُسمى “مؤسسة غزة الإنسانية” – وهي شركة أمريكية حديثة التأسيس ومدعومة إسرائيليًا – يتعمّد إدارة مراكز التوزيع بطريقة فوضوية. يتم الإعلان عنها عبر مكبرات صوت من طائرات استطلاع إسرائيلية، دون أي نظام أو رسائل إبلاغ رسمية، ما يُجبر آلاف المدنيين على التزاحم بطريقة عشوائية على أمل الحصول على القليل من الغذاء.

لكن الكارثة لا تقف عند سوء التنظيم. فالكمية الموزعة لا تكفي سوى لـ10% من المحتشدين، ما يُنتج تدافعًا مقصودًا، وفوضى مدروسة يستغلها الاحتلال لرصد الشباب، واعتقالهم، أو إطلاق النار عليهم مباشرة.

 “هندسة القتل”.. ممرات ضيقة وأسلاك شائكة

وفق إفادات من شهود ومصادر ميدانية، تمّ تصميم مواقع التوزيع بشكل عسكري، حيث تُجبر الحشود على دخول ممرات ضيقة محاطة بأسلاك شائكة، تُراقَب جوًا وبريًا، وتُستخدم كقنوات لضبط الأهداف، والانتقائية في القتل والاعتقال.

القتل لا يأتي عرضًا، بل نتيجة قرار عسكري مسبق، حيث تتحول هذه المراكز إلى مسرح مفتوح لإطلاق النار، وعمليات خطف واعتقال ممنهجة، تحت أنظار موظفي المؤسسة الأمريكية، التي ترفع شعار “العمل الإنساني”.

 مشروع المساعدات: فشل إنساني وتواطؤ سياسي

بحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن ما يجري هو “خطة ممنهجة لتجميع الجوعى في نقاط قتل مكشوفة”، بإشراف الاحتلال وتنسيق كامل مع الإدارة الأمريكية.

“المساعدات” أصبحت غطاء لجرائم حرب، لا وسيلة إنقاذ، فبينما تُغلق إسرائيل المعابر وتمنع دخول المساعدات من منظمات دولية معروفة، تسمح بدخول شركة مريبة أسسها عسكريون أمريكيون سابقون في جنيف، بلا سجل إغاثي أو ترخيص أممي، لتوزيع “معونات مفخخة” تزرع الموت بدلًا من الحياة.

 من هي “مؤسسة غزة الإنسانية”؟

تأسست هذه الشركة في فبراير 2025، وظهرت فجأة في المشهد الإغاثي بغزة، بدعم أمريكي سياسي وعسكري مباشر، لتتسلّم مهمة كانت الأمم المتحدة ترفض القيام بها دون ضمانات أمنية حقيقية.

تحمل المؤسسة بصمات واضحة للأجهزة الأمنية، ويقف خلفها ضباط سابقون في الجيش الأمريكي، ما جعل مراقبين يصفونها بـ”الغطاء الاستخباراتي” الذي يُدار بأدوات إغاثية.
وقد شارك موظفوها في إطلاق النار على المدنيين في أول تجربة ميدانية لهم في رفح، وهو ما فضح طبيعتها الحقيقية.

 جرائم يجب ألا تمر

بحسب المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا، فإن هذه المراكز تحوّلت إلى نقاط اختفاء قسري، لا يُعرف مصير العشرات ممن قصدوا المكان بحثًا عن الطعام.
ويطالب المركز وأطراف فلسطينية أخرى بلجنة تحقيق دولية عاجلة لتوثيق هذه الجرائم، وفتح ملفات المؤسسة الأمريكية، ومن يقف خلفها في تل أبيب وواشنطن.

“الخبز مقابل الدم”… معادلة الاحتلال الجديدة

الاحتلال، ومعه حلفاؤه في الإدارة الأمريكية، لم يكتفوا بتجويع الفلسطينيين، بل حوّلوا الجوع إلى أداة للإبادة.

في غزة اليوم، أصبح مجرد السعي للحصول على كيس دقيق أو علبة حليب رحلة محفوفة بالدم، والموت، والاعتقال.

الردّ الأخلاقي على هذه الجرائم لا يكمن في الشجب، بل في فضح المشروع بأكمله، والمطالبة الفورية بمحاسبة المتورطين، ومنع استخدام العمل الإنساني كواجهة لجرائم الاحتلال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى