من الجولان إلى التطبيع.. هل يضع أحمد الشرع توقيعه على أول سلام سوري–إسرائيلي؟

هل يرفع العلم الإسرائيلي في دمشق؟ سؤال لم يعد مجرد تكهن صحفي، بل تحوّل إلى هاجس سياسي يتردد في الأوساط الإقليمية والدولية مع تصاعد الإشارات إلى احتمال حدوث تقارب بين السلطة الانتقالية السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، وإسرائيل، برعاية أمريكية مباشرة.

فمنذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول الماضي، تشهد سوريا سلسلة تحولات دراماتيكية، على رأسها تلميحات من قادة المرحلة الانتقالية لإمكانية إعادة رسم العلاقات مع إسرائيل، مقابل رفع العقوبات، والمساعدات، وإعادة الإعمار.

◾ من “وديعة رابين” إلى “فرصة الشرع”

سوريا التي خاضت ثلاث حروب مع إسرائيل واحتُلت مرتفعات الجولان من أراضيها منذ 1967، رفضت لعقود أي سلام دون انسحاب كامل. لكنها، وبفعل التحولات الجيوسياسية والانهيار الداخلي، تقف اليوم أمام واقع جديد يتجاوز خطاب “المقاومة” الذي ترسّخ لعقود.

الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، وخلال لقاءاته الأخيرة بالرئيس ترامب والرئيس الفرنسي، ألمح إلى مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل، تهدف إلى “تهدئة الأوضاع”، دون أن ينكر وجود تواصل عبر وسطاء، في وقت كشف فيه تقرير لوكالة رويترز عن اجتماعات مباشرة بين الجانبين.

◾ الجولان.. العقدة الدائمة

تبقى مرتفعات الجولان المحتلة حجر الزاوية في أي نقاش حول السلام. إذ ترى السلطة السورية أنها لا تملك حق التنازل عن أرض تعتبرها سيادية، فيما تصر إسرائيل، وفق محللين مثل إيهود ياري، على استحالة التخلي عن الجولان تحت أي ظرف.

إحدى “الأفكار المطروحة” في الكواليس هي تأجير الجولان أو منح إسرائيل ترتيبات أمنية شبيهة باتفاق وادي عربة مع الأردن. لكن هذه الفكرة تصطدم برفض واسع، سواء في الشارع السوري أو داخل السلطة الانتقالية، التي تخشى خسارة شرعيتها.

◾ الشعب السوري.. بين الحذر والرغبة في الخروج من الأزمة

بحسب استطلاع أجراه مركز “مدى”، فإن 46.35% من السوريين يرفضون التطبيع، مقابل 39.88% يؤيدونه، بينما أبدى 13.76% لا مبالاة. نسبة التأييد المرتفعة نسبيًا تُعزى إلى الضغوط الاقتصادية والرغبة في الخروج من دائرة العزلة، لا إلى قبول حقيقي بإسرائيل ككيان طبيعي في المنطقة.

وهنا تبرز معضلة الشرع: كيف يوازن بين مطالب الخارج ومزاج الداخل؟ خاصة وأنه يرأس سلطة انتقالية لم تُنتخب بعد ولا تحظى بإجماع وطني كامل.

◾ هل يرفض المقاتلون الإسلاميون التطبيع؟

الشرع، الذي كان قائدًا لفصيل “هيئة تحرير الشام” الجهادي تحت اسم “أبو محمد الجولاني”، يقود اليوم سوريا جديدة بلا الأسد. لكن خلفه تقف جماعات مسلحة ذات خلفيات أيديولوجية رافضة لإسرائيل، وتعد التطبيع “خيانة عقائدية”.

الدكتورة رهف الدغلي تشير إلى أن الشرع “غير قادر على فرض التطبيع الكامل” على مقاتلين إسلاميين يعادون إسرائيل بعمق، فيما يرى الدكتور كمال العبدو أن تلك الجماعات قد تقبل تفاهمات أمنية محدودة تحفظ الاستقرار، شريطة عدم المساس بالثوابت العقائدية.

◾ الرهانات الاقتصادية.. هل تصنع سلامًا؟

الرئيس الأمريكي ترامب وعد برفع العقوبات فورًا، وطرح مساعدات سخية، بل وتحدثت تقارير عن إمكانية ضخ الغاز الإسرائيلي إلى سوريا ولبنان، ضمن صفقات إقليمية أكبر.

فيما يرى بعض السوريين أن السلام قد يجلب الاستثمارات، يشير آخرون إلى نموذج مصر، التي لم تجنِ من اتفاقية كامب ديفيد ازدهارًا اقتصاديًا ملحوظًا، رغم مضي أكثر من أربعة عقود.

◾ تفاهمات لا اتفاق شامل؟

وسط كل هذه التعقيدات، يستبعد المحللون التوصل لاتفاق تطبيع شامل في الوقت القريب. لكنهم لا يستبعدون تفاهمات أمنية وسياسية واقتصادية مؤقتة، تحفظ الحدود وتمنع التصعيد، وربما تفتح لاحقًا الطريق أمام عملية تطبيع تدريجية، خاصة مع طوائف أو مكونات محلية داخل سوريا.

◾ هل يوقع الشرع أم يُحجم؟

أحمد الشرع يقف أمام اختبار سياسي وأخلاقي وتاريخي. فالتطبيع مع إسرائيل قد يفتح له أبواب الغرب، ويمنح سلطته اعترافًا دوليًا طالما انتظرته المعارضة السورية، لكنه في المقابل، قد يُفجر الداخل، ويُفقده دعم الحلفاء السابقين الذين قاتل معهم ضد الأسد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى