“التطبيع الملتبس”.. هل تصبح دمشق وبيروت مفاتيح صفقة إقليمية جديدة قبل الرياض؟

في تطور مثير للانتباه، أعاد السفير الإسرائيلي لدى واشنطن، يحيئيل لايتر، خلط الأوراق مجددًا على ساحة التطبيع العربي مع إسرائيل، حين صرّح بأن سوريا ولبنان قد تسبقان السعودية في الانضمام إلى اتفاقيات “إبراهام”، ما يعكس تحوّلًا لافتًا في النظرة الإسرائيلية لمسار التسوية الإقليمية، وسط اشتعال المنطقة بالحرب على غزة وتزايد عزلة تل أبيب.
من التطبيع مع الخليج إلى الرهان على خصوم سابقين
في مقابلته مع قناة “PragerU”، المعروفة بتوجهاتها اليمينية الأمريكية، قال لايتر بوضوح: “لا يوجد سبب يمنعنا الآن من التوجه نحو تسوية مع سوريا ولبنان”، معربًا عن تفاؤله بإمكانية توقيع اتفاقيات سلام مع هاتين الدولتين، حتى قبل إتمام المسار مع الرياض.
هذا التصريح ينقل رسالة مزدوجة:
- الأولى: وجود رهان إسرائيلي على اختراق محور “الممانعة” التقليدي، الذي ظلّ لعقود يُقدَّم كجدار صد ضد أي تطبيع.
- والثانية: اعتراف ضمني بأن التقارب مع السعودية لم يعد مضمونًا، خاصة بعد تعقيدات الحرب على غزة، واستمرار الضغوط الشعبية والداخلية على الرياض لعدم الانخراط في مسار “إبراهام”.
“رهينة الأداء”.. التطبيع مشروط بخرائط النفوذ الجديدة
يُدرك الإسرائيليون أن التطبيع مع دمشق أو بيروت لن يكون مجرد توقيع رمزي، بل يتطلب تغييرات داخلية وإقليمية عميقة. لذلك شدد لايتر على أن أي اتفاق مع النظام السوري أو الحكومة اللبنانية المقبلة “يجب أن يكون مبنيًا على الأداء”، في إشارة إلى رغبة إسرائيل في رؤية تحولات سياسية وأمنية فعلية داخل هاتين الدولتين.
في هذا السياق، قال السفير الإسرائيلي:
“لا يمكننا السماح بوجود جهاديين على حدودنا، ولا نملك سجلًا حافلًا بتحول المتطرفين إلى ديمقراطيين”.
وهذا يُفهم منه أن التحول السياسي في سوريا ولبنان – أو على الأقل تحييد القوى المعادية لإسرائيل داخليًا – شرط أساسي لأي صفقة محتملة.
أبعاد إقليمية: هل نحن أمام “سايكس – بيكو تطبيعي” جديد؟
تصريحات لايتر لا تُقرأ بمعزل عن مشهد إقليمي أكثر تعقيدًا:
- لبنان يعيش فراغًا سياسيًا واقتصاديًا وانهيارًا مؤسساتيًا قد يُستغل لفرض تسويات دولية تعيد إنتاج الدولة وفق خطوط جديدة.
- سوريا بعد إسقاط نظام بشار الأسد تشهد ديناميكية جديدة مع قيادة مختلفة، وسط نقاشات غربية حول تخفيف العقوبات، وهو ما أشار إليه لايتر بضرورة ربطه بـ”نهج السلطات تجاه الأقليات”.
هنا، يظهر بوضوح أن إسرائيل تستثمر في التحولات الكبرى داخل الدول التي عُرفت تاريخيًا بعدائها لها، بهدف إعادة صياغة الخريطة الإقليمية بطريقة تمنحها تطبيعًا سياسيًا وميدانيًا طويل الأمد، لا مجرد علاقات سطحية.
السعودية.. من محور التوقيع إلى هامش الانتظار؟
في المقابل، حملت تصريحات لايتر تلميحًا بأن السعودية “أضاعت فرصة ذهبية” عام 2019، حين كانت على وشك التوقيع – لولا تغيير الإدارة الأمريكية. إذ أشار إلى أن فوز ترامب بولاية ثانية كان سيعني تطبيعًا فعليًا مع الرياض.
لكن واقع اليوم مختلف، فالحرب على غزة كشفت التكلفة السياسية الهائلة لأي تقارب عربي مع إسرائيل، ما جعل السعودية أكثر حذرًا، خاصة وهي تسعى لتقديم نفسها كقوة إقليمية متزنة ومعتدلة.
تطبيع قائم على المساومات الكبرى
ما تحمله تصريحات السفير الإسرائيلي هو طرح مشروع تطبيع لا يُبنى فقط على المصالح، بل على انهيارات وتغييرات بنيوية في النظامين اللبناني والسوري. وهذا يعني أن إسرائيل تسعى لإبرام صفقات استراتيجية طويلة الأمد، وليس مجرد اتفاقيات دبلوماسية.
ومع دخول أطراف دولية على خط التهدئة في المنطقة، وخاصة بعد دخول إدارة جديدة في سوريا، يبدو أن إسرائيل تراهن على لحظة فارقة تاريخيًا لتوسيع نطاق نفوذها الإقليمي سياسيًا، تحت مظلة “السلام مقابل التغيير”.
لكن تبقى المعادلة شديدة التعقيد: هل تقبل شعوب هذه الدول بالتطبيع في ظل ما تراه من جرائم يومية في غزة؟ وهل يمكن تسويق التطبيع مع المحتل كـ”حل سياسي” في بيئة عربية تزداد غضبًا وتطرفًا بسبب ممارسات الاحتلال؟






