هل تسعى إسرائيل فعلاً للتطبيع مع لبنان؟ أم أنها خطوة تكتيكية؟

كشف موقع i24 العبري عن رغبة إسرائيل في التوصل إلى تطبيع مع لبنان، مشيرًا إلى أن المحادثات الجارية بين الجانبين جزء من “خطة واسعة وشاملة”. هذه التصريحات تأتي في وقت يشهد فيه لبنان تغيرات داخلية مهمة، لا سيما بعد انتخاب رئيس جديد وما يصفه الاحتلال بتبدلات سياسية داخل البلاد. فهل فعلاً هناك إمكانية لتطبيع لبناني-إسرائيلي؟ أم أن هذه الخطوة مجرد تحرك تكتيكي إسرائيلي لتحقيق أهداف أخرى؟

السياق السياسي والدبلوماسي للمفاوضات

لطالما كانت العلاقة بين لبنان والاحتلال الإسرائيلي قائمة على العداء المستمر منذ نشأة الكيان الصهيوني عام 1948، حيث خاض الطرفان عدة حروب، أبرزها اجتياح 1982، وحرب يوليو 2006 التي انتهت بموازين ردع جديدة فرضها حزب الله. ورغم التوصل إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية عام 2022 بوساطة أمريكية، فإن التطبيع العلني بين الطرفين لا يزال أمرًا مستبعدًا في ظل الرفض الشعبي اللبناني الواسع والتأثير الكبير لقوى المقاومة على القرار السياسي.

لكن تصريحات المسؤول الإسرائيلي تكشف عن تغيير في أسلوب التفاوض الإسرائيلي مع لبنان، حيث انتقلت المباحثات من المحادثات العسكرية في الناقورة إلى احتمالية إشراك ممثل دبلوماسي إسرائيلي، وهو ما تصفه تل أبيب بـ”اختراق دبلوماسي دراماتيكي”.

أهداف إسرائيل من طرح ملف التطبيع مع لبنان

رغم الحديث الإسرائيلي عن رغبة حقيقية في التطبيع، إلا أن هناك عدة أهداف خفية قد تكون وراء هذا الطرح، من أبرزها:

1️⃣ إضعاف نفوذ حزب الله في الداخل اللبناني

  • تعتبر إسرائيل حزب الله التهديد العسكري الأول على حدودها الشمالية، وتسعى منذ سنوات إلى عزله سياسيًا وإضعاف نفوذه داخل الدولة اللبنانية.
  • تشير تصريحات المسؤول الإسرائيلي إلى أن التطبيع قد يساعد الرئيس اللبناني الجديد في مواجهة حزب الله وحركة أمل، مما يعني أن الاحتلال يريد استغلال التباينات الداخلية لإضعاف المقاومة.

2️⃣ تعزيز الحضور الإسرائيلي في لبنان اقتصاديًا وسياسيًا

  • بعد توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية، تسعى إسرائيل لضمان مصالحها الاقتصادية عبر فتح قنوات تواصل غير مباشرة مع الأطراف اللبنانية.
  • يمكن للتطبيع أن يتيح لإسرائيل فرصة أكبر للمشاركة في المشاريع الاقتصادية، خاصة في قطاع الطاقة، حيث تطمح الشركات الإسرائيلية إلى تعزيز نفوذها في منطقة شرق المتوسط.

3️⃣ تحقيق مكاسب دبلوماسية في الإقليم

  • بعد اتفاقيات التطبيع التي أبرمتها إسرائيل مع دول عربية مثل الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، ترغب تل أبيب في تحقيق اختراق جديد بإضافة لبنان إلى القائمة.
  • التطبيع مع لبنان، في حال حدوثه، سيكون بمثابة ضربة لمحور المقاومة، وسيعزز من مكانة إسرائيل الإقليمية.

4️⃣ خلق انقسام داخلي في لبنان

  • يعلم الاحتلال أن التطبيع سيخلق جدلًا واسعًا داخل لبنان، مما قد يؤدي إلى استقطاب سياسي حاد بين مؤيدي ومعارضي الفكرة.
  • مثل هذه الانقسامات تصب في مصلحة الاحتلال، حيث تضعف أي موقف وطني موحد ضد المشروع الصهيوني.

العقبات أمام المشروع الإسرائيلي للتطبيع مع لبنان

رغم الطموحات الإسرائيلية، فإن تحقيق هذا الهدف يبدو صعبًا للغاية بسبب عدة عوامل:

🔸 الرفض الشعبي العارم:

  • المجتمع اللبناني يحمل ذاكرة مليئة بالعدوان الإسرائيلي، سواء في مجازر صبرا وشاتيلا، أو الاحتلال الطويل لجنوب لبنان (1982-2000)، أو العدوان المستمر على السيادة اللبنانية.
  • حتى القوى السياسية غير المرتبطة بمحور المقاومة تدرك أن أي خطوة نحو التطبيع ستواجه معارضة شرسة من الشارع اللبناني.

🔸 نفوذ حزب الله وحلفائه:

  • حزب الله يشكل قوة رئيسية في المشهد السياسي والعسكري اللبناني، ويمتلك نفوذًا كبيرًا داخل الحكومة والبرلمان.
  • أي خطوة نحو التطبيع ستواجه برد حاسم من الحزب، وقد تؤدي إلى تصعيد أمني على الحدود مع الاحتلال.

🔸 الضغوط الإقليمية والدولية:

  • لبنان يخضع لتأثيرات سياسية متعددة من قوى إقليمية مثل إيران وسوريا، التي لن تسمح بتحول جذري كهذا في السياسة اللبنانية.
  • حتى على المستوى الدولي، فإن الولايات المتحدة قد تدعم بعض أشكال الحوار بين بيروت وتل أبيب، لكنها لن تضغط باتجاه التطبيع الكامل خوفًا من تداعيات ذلك على استقرار لبنان.

هل هناك فرصة حقيقية للتطبيع؟

🔹 رغم الحديث الإسرائيلي، فإن الواقع يشير إلى أن التطبيع بين لبنان وإسرائيل في المستقبل القريب أمر غير وارد.
🔹 التحركات الإسرائيلية تبدو أقرب إلى محاولة فتح قنوات خلفية، واستغلال الخلافات الداخلية في لبنان لإحداث شرخ سياسي وأمني، أكثر من كونها سعيًا جادًا لاتفاق تطبيع شامل.
🔹 تطبيع لبنان مع إسرائيل يتطلب تحولًا جذريًا في المشهد السياسي اللبناني، وهو ما يبدو مستبعدًا في ظل التوازنات الحالية.

تحركات إسرائيل تجاه لبنان ليست جديدة، لكنها تأخذ اليوم شكلًا أكثر تنظيمًا، مستغلةً الظروف الداخلية اللبنانية والتغييرات السياسية الأخيرة. ورغم محاولات الترويج لملف التطبيع، إلا أن هذا السيناريو يواجه تحديات كبرى، أهمها الموقف الشعبي الرافض، والدور المحوري لحزب الله، إلى جانب الحسابات الإقليمية المعقدة. لذا، فإن الحديث عن تطبيع وشيك بين لبنان وإسرائيل يبدو أقرب إلى الأوهام السياسية منه إلى الواقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى