“التطبيع أولاً”… السعودية تفتح أبوابها لترامب وتغلقها أمام فلسطين

في تحرك مفاجئ ومحمّل بالرسائل السياسية، كشفت وكالة رويترز عن زيارة وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، إلى العاصمة الأميركية واشنطن، في مهمة وصفت بأنها “تمهيدية” لترتيب زيارة مرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الرياض، يُخطط لها في مايو/أيار المقبل.
الزيارة التي تأتي في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، من غزة إلى اليمن، تحمل دلالات تتجاوز الأبعاد البروتوكولية، وتكشف عن رهان سعودي متسارع على عودة ترامب إلى البيت الأبيض، وإعادة صياغة التحالف الاستراتيجي بين الرياض وواشنطن على أسس جديدة، يبدو أن التطبيع مع إسرائيل في قلبها.
عودة إلى نقطة البداية… ولكن بثمن أكبر
تُعيد هذه التحركات إلى الأذهان مشهد قمة الرياض في 2017، عندما اختار ترامب السعودية كمحطة أولى لجولته الخارجية الأولى، واستقبل حينها بـ”عرض استثماري ضخم” تجاوز 400 مليار دولار. إلا أن الفارق اليوم يكمن في أن المشهد السياسي أكثر هشاشة، والسعودية أكثر حاجة لإعادة تموضعها الإقليمي، خاصة في ظل تصاعد نفوذ إيران، واستمرار حرب اليمن، والبرود الأميركي في عهد الديمقراطيين.
بحسب مصادر مقربة من الديوان الملكي، فإن زيارة فيصل بن فرحان تهدف إلى التمهيد لتوقيع اتفاقيات استثمار جديدة بمليارات الدولارات، في محاولة لاسترضاء ترامب وإقناعه بإعادة احتضان المملكة سياسيًا واقتصاديًا، وهي خطوة تثير مخاوف من تكرار سيناريو الابتزاز الذي شهده عهد ترامب الأول.
تطبيع على الطاولة… وغزة خارج الحسابات
التقارير تؤكد أن التطبيع مع إسرائيل يتصدر أجندة التحركات السعودية، حيث تسعى الرياض إلى تسريع التوقيع على اتفاق “إبراهام سعودي” مقابل ضمانات أمنية أميركية واستثمارات طويلة الأمد. في المقابل، تغيب أي مؤشرات على دعم فعلي للقضية الفلسطينية، رغم المجازر اليومية التي يتعرض لها قطاع غزة منذ أكتوبر 2023.
التناقض الصارخ بين الحديث عن التطبيع، واستمرار العدوان الإسرائيلي الوحشي على غزة، يعكس إصرار السعودية على المضي في مشروع إعادة التموضع الاستراتيجي، حتى وإن جاء على حساب ما تبقى من صورتها كداعم تاريخي للقضية الفلسطينية.
اليمن كقضية “تكملة عدد”
تتضمن زيارة بن فرحان أيضًا مناقشات حول الملف اليمني، إلا أن هذا البند يبدو ثانوياً، في ظل غياب أي رؤية جديدة للحل أو مبادرات فعلية لإعادة الاستقرار. في المقابل، تستغل إيران هذا الفراغ لتمكين حلفائها الحوثيين، بينما تكتفي السعودية بتقديم الملف كـ”هم مشترك” مع واشنطن، دون الالتزام بخطة واضحة لإنهاء الحرب أو احتواء النفوذ الإيراني.
السعودية تراهن على ترامب… والابتزاز مستمر
من الواضح أن ولي العهد محمد بن سلمان يرى في عودة ترامب فرصة ذهبية لإعادة صياغة العلاقة مع واشنطن على قاعدة الولاء الشخصي والمصالح المتبادلة، بعيدًا عن خطاب الديمقراطيين المتذبذب، خاصة في قضايا حقوق الإنسان وحرب اليمن.
لكن هذا الرهان يحمل مخاطرة كبيرة، فترامب معروف بتقلباته وابتزازه لحلفائه، وتعامله مع السعودية لم يكن يومًا شراكة متوازنة، بل صفقة قائمة على “الحلب مقابل الحماية”. واليوم، يبدو أن المملكة مستعدة لتكرار نفس السيناريو، دون مراجعة لتكلفة ذلك على المدى الطويل، سياسيًا واقتصاديًا.
حين يُصبح التطبيع بوابة للتمكين… لا للتحرر
زيارة ترامب المرتقبة للرياض — إلى جانب زيارته المتوقعة للإمارات وقطر — تُشير إلى إعادة ترتيب معسكر التطبيع في المنطقة، وتكريس اصطفافات جديدة تتجاهل الغضب الشعبي المتصاعد في العالم العربي، خاصة تجاه صمت العواصم الكبرى عن مجازر غزة.
وهكذا، يبدو أن التحالف القادم لا يدور حول الأمن أو السلام، بل حول التمكين السياسي والاقتصادي للأنظمة مقابل تمرير أجندة أميركية إسرائيلية واضحة: تطبيع بلا ثمن لإسرائيل، وانسحاب استراتيجي من دعم القضايا العربية.
الرياض تبحث عن مظلة… وترامب يعود كفاتح على حساب فلسطين
زيارة فيصل بن فرحان إلى واشنطن، وما يُرتب بعدها من زيارة لترامب إلى الرياض، لا يمكن فصلها عن مسار التطبيع الشامل، وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية على أساس الرضى الأميركي، لا الإرادة الشعبية.
وفي ظل هذا المسار، تبدو السعودية وكأنها تفقد بوصلة القيادة الإسلامية والعربية، وتُعيد تقديم نفسها كدولة صديقة للمصالح الغربية، ولو على حساب القدس وغزة واليمن.
فهل هي لحظة إعادة تموضع… أم لحظة خسارة لكل ما كانت تمثله المملكة في وجدان الشعوب العربية؟







