“يوروفيجن” في مهب السياسة: صرخة موسيقيّة عالميّة ضد “الاحتلال المنبوذ”

تواجه مسابقة الأغنية الأوروبية “يوروفيجن” في نسختها السبعين، والمقرر إقامتها في فيينا، عاصفة غير مسبوقة تهدد كيانها الفني الذي طالما حاولت تسويقه كمنصة “جامعة بعيدة عن السياسة”. فمع تصاعد حدة الجرائم الإسرائيلية في قطاع غزة، انتقلت المعركة من أروقة السياسة والميادين إلى منصات الفن العالمي، حيث وقع أكثر من ألف موسيقي وفنان رسالة مدوية تدعو إلى مقاطعة المسابقة احتجاجاً على مشاركة إسرائيل، في مشهد يعيد صياغة مفهوم “الفن المقاوم” في وجه “الاحتلال المنبوذ”.

https://i.arabi21.com/arabi21/908×510/520191919599183.jpg

 

زلزال فني يهز عرش “يوروفيجن”

لم تكن الرسالة المنشورة عبر موقع حركة “لا موسيقى للإبادة الجماعية” مجرد بيان عابر، بل تحولت إلى صرخة أخلاقية جمعت أكثر من 1100 توقيع. وتكمن قوة هذا التحرك في تنوعه؛ فهو لم يقتصر على فناني شركات الإنتاج المستقلة، بل ضم أسماءً لها ثقلها العالمي مثل فرقة “ماسيف أتاك” والمغني “ماكلمور” والناشط الفني البارز “روجر واترز”. هؤلاء النجوم وضعوا شعبيتهم وتاريخهم الفني في كفة، والموقف الأخلاقي من جرائم الحرب في كفة أخرى، مؤكدين أن الفن لا يمكن أن يكون منفصلاً عن الواقع الإنساني المرير.

يركز الموقعون في هجومهم على استبعاد هيئة البث العامة الإسرائيلية “كان”، معتبرين إياها ذراعاً دعائياً “متواطئاً في الجرائم ضد الإنسانية”. هذا التوصيف ينقل المعركة إلى مربع “المسؤولية الأخلاقية للمؤسسات”، حيث لم يعد المطلب مجرد استبعاد مغنٍ، بل عزل مؤسسة رسمية تساهم في تبييض صورة الاحتلال عبر “القوة الناعمة”.

انسحابات جماعية: حين تنحاز الدول لضميرها

لا تقتصر الأزمة على توقيعات الأفراد، بل امتدت لتشمل تمرداً مؤسسياً من هيئات بث رسمية. إعلان إسبانيا، وآيرلندا، وأيسلندا، وهولندا، وسلوفينيا انسحابها من النسخة الحالية لم يكن قراراً فنياً، بل كان بياناً سياسياً حاداً ينتقد الحرب الدامية والمدمرة في غزة. هذا الانسحاب الجماعي وضع اللجنة المنظمة للمسابقة في مأزق تاريخي؛ فكيف يمكن الاحتفال بمرور 70 عاماً على مسابقة ترفع شعار “متحدون بالموسيقى” بينما ينسحب أعضاؤها احتجاجاً على “إبادة جماعية” تُرتكب بدعم أو صمت دولي؟

لقد تحولت “يوروفيجن” هذا العام من مهرجان للأضواء والألوان إلى ساحة لكشف “الازدواجية” المعايير. فالمقارنة بين استبعاد روسيا السريع عقب حرب أوكرانيا، والمماطلة في استبعاد إسرائيل، خلقت شعوراً بالحنق لدى الشارع الأوروبي والعالمي، مما جعل من مشاركة إسرائيل “عبئاً” لا يمكن تبريره فنياً.

إسرائيل والبحث عن شرعية مفقودة

منذ فوزها الأول بالمسابقة، دأبت إسرائيل على استخدام “يوروفيجن” كأداة لاختراق الوجدان الأوروبي وتقديم نفسها كدولة “ديمقراطية ليبرالية محبة للفن”. ومع اختيار المغني نوام بيتان لتمثيلها، كانت تراهن على الاستمرار في هذا النهج. لكن الواقع الميداني في غزة والضفة الغربية حطم هذه الصورة النمطية.

اليوم، يظهر مصطلح “الاحتلال المنبوذ” بشكل جلي في هذه المقاطعة. فإسرائيل التي فازت باللقب أربع مرات، تجد نفسها اليوم فائزة بلقب “الدولة الأكثر عزلة فنياً”. إن محاولات الاحتلال لاستغلال المسابقات الدولية للهروب من استحقاقات القانون الدولي لم تعد تجدي نفعاً أمام جيل من الفنانين والشباب الذين يمتلكون وصولاً مباشراً للحقيقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بعيداً عن الروايات الرسمية المضللة.

الخلاصة: انتصار الضمير على الأضواء

إن ما يحدث اليوم في فيينا ليس مجرد خلاف حول مشاركة في مسابقة غنائية، بل هو تجسيد لتحول عميق في الوعي العالمي. إن أكثر من ألف فنان يقولون للعالم إن “الجمال لا يمكن أن يُبنى فوق أنقاض البيوت المدمرة”، وأن “الألحان لا يمكن أن تطغى على صرخات الضحايا”.

تواجه “يوروفيجن” اليوم أكبر اختبار في تاريخها؛ فإما أن تنتصر لقيم الإنسانية والعدالة التي تدعي تمثيلها وتستبعد دولة الاحتلال، وإما أن تغرق في وحل التواطؤ، لتصبح نسخة هذا العام مجرد ذكرى كئيبة لمهرجان غنى فيه البعض بينما كان الآخرون يُبادون. إن الرسالة وصلت بوضوح: إسرائيل باتت “احتلالاً منبوذاً” في قلب القارة العجوز، ولم تعد الموسيقى كافية لغسل يديها من دماء الأبرياء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى