من بوابة التطبيع إلى “دي بي ورلد”: الإمارات تمارس دور وكيل الاحتلال اللوجستي في غزة

تكشفت خيوط مؤامرة جديدة تستهدف قطاع غزة، حيث كشفت صحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية عن تحركات محمومة تجري خلف الكواليس بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ودولة الإمارات. وتتمحور هذه التحركات حول إشراك شركة “دي بي ورلد” (موانئ دبي العالمية) في إدارة العمليات اللوجستية وسلاسل الإمداد داخل القطاع. هذا الدور، الذي يتم تسويقه تحت غطاء “المساعدات الإنسانية”، يراه مراقبون تكريساً لعمل الإمارات كوكيل مباشر للاحتلال، لتنفيذ أجندات أمنية وسياسية تهدف إلى تشديد السيطرة على غزة وتغيير وجهها الديموغرافي والجغرافي بما يخدم مصالح واشنطن وتل أبيب، انطلاقاً من اتفاقيات التطبيع التي مهدت لهذا التغلغل.

مجلس السلام وترتيبات الوكالة الأمنية في غزة
المعلومات المسربة تشير إلى أن ممثلين عما يسمى “مجلس السلام” الذي يرأسه ترامب، بدأوا مفاوضات فعلية مع شركة “دي بي ورلد” المملوكة لحكومة دبي. الهدف المعلن هو تنظيم تدفق المساعدات، لكن الأبعاد الحقيقية تتجاوز العمل الخيري؛ فدخول شركة إماراتية كبرى بهذا الحجم إلى ساحة غزة المنهكة من الحرب يعني إحلال سلطة إدارية لوجستية بديلة، تعمل بتنسيق كامل مع الاحتلال والولايات المتحدة.
شراكة “دي بي ورلد” مع مجلس ترامب تعكس رغبة الإمارات في لعب دور “المقاول اللوجستي” الذي يتولى إدارة الأرض نيابة عن القوى الخارجية. ومن خلال التحكم في تدفق السلع والاحتياجات الأساسية، تصبح الإمارات قادرة على ممارسة ضغوط اقتصادية وسياسية على سكان القطاع، مما يحول المساعدات الإنسانية إلى أداة لترويض الإرادة الفلسطينية وتمرير خطط “اليوم التالي” للحرب التي تستبعد السيادة الفلسطينية الحقيقية وتستبدلها بتبعية مطلقة لمنظومة التطبيع.

تطوير البنية التحتية: إنشاء مناطق عازلة بصبغة تجارية

المقترحات التي نوقشت في هذه المحادثات السرية شملت إنشاء بنية تحتية جديدة، مثل تطوير نقاط لوجستية أو موانئ على سواحل غزة. هذا الطرح يثير مخاوف جدية من تحويل ساحل غزة إلى منطقة سيطرة إماراتية تحت إشراف أمني إسرائيلي مباشر. إن الحديث عن “مناطق تنظيمية خاصة” لتسهيل حركة البضائع ليس سوى تسمية مخففة لإنشاء مناطق عازلة يتم إدارتها بواسطة وكلاء إقليميين، لضمان ألا يخرج أي نشاط داخل غزة عن إطار الرقابة الصارمة للاحتلال.
الإمارات، عبر “دي بي ورلد”، تمتلك خبرة واسعة في إدارة الموانئ حول العالم، لكن توظيف هذه الخبرة في غزة في هذا التوقيت يخدم استراتيجية “الحصار الذكي”. فبدلاً من الحصار العسكري المباشر الذي يثير الانتقادات الدولية، يتم الانتقال إلى “الحصار اللوجستي” الذي تديره شركة عربية وقعت بلادها اتفاقيات تطبيع واسعة مع الكيان الصهيوني، حيث يتم التحكم في كل شحنة تدخل أو تخرج عبر منظومة إلكترونية ومادية مرتبطة أمنياً بتل أبيب، وهو ما يجسد دور الوكيل بأبشع صوره.

إدارة سلاسل الإمداد كأداة للسيطرة والتبعية

تناولت النقاشات تصوراً واسعاً لدور الشركة في عمليات التخزين والنقل والتوزيع داخل القطاع. إن السيطرة على “سلاسل الإمداد” في منطقة تعاني من دمار شامل يعني عملياً السيطرة على شريان الحياة الوحيد للمواطنين. عندما تتولى شركة إماراتية إدارة منظومة توزيع الغذاء والدواء، فإنها تسحب البساط من المؤسسات المحلية والوطنية الفلسطينية، وتخلق واقعاً يعتمد فيه المواطن الفلسطيني في رزقه اليومي على “الوكيل الإماراتي” المنسق بنيوياً مع الاحتلال.
هذا الدور اللوجستي يسعى لتوفير بيئة آمنة للاحتلال، حيث يتم إعفاؤه من مسؤولياته القانونية والأخلاقية كقوة احتلال تجاه المدنيين، ونقل هذه المسؤولية إلى “طرف ثالث” عربي يتولى المهام اللوجستية والأمنية المغلفة بطابع مدني. الامتداد الإماراتي في غزة بهذا الشكل لا يهدف لإعادة الإعمار، بل لإعادة الهيكلة الاقتصادية والاجتماعية للقطاع بما يضمن خنق أي نفس مقاوم مستقبلاً، وتحويل غزة إلى منطقة استهلاك تدار بآليات الشركات العابرة للحدود التي لا تعترف بالحدود الوطنية أو الحقوق السياسية.

خطورة الدور الوظيفي للإمارات في “اليوم التالي”

استجابة الإمارات لهذه الطروحات الأمريكية تؤكد انخراطها الكامل في تصفية القضية الفلسطينية من بوابتها الاقتصادية واللوجستية. العمل كوكيل للاحتلال في غزة يمنح أبوظبي نفوذاً إقليمياً تفاخر به أمام إدارة ترامب، لكنه يضعها في مواجهة مباشرة مع التطلعات الفلسطينية المشروعة. الخطورة تكمن في أن هذه التحركات اللوجستية هي “رأس الحربة” لمشروع سياسي أكبر يهدف إلى فرض وصاية إقليمية على غزة، وتجريدها من قدرتها على تقرير مصيرها.
خلاصة التحليل: إن محادثات “دي بي ورلد” مع مجلس السلام التابع لترامب ليست مجرد صفقة تجارية، بل هي إعلان عن مرحلة جديدة من الوكالة الأمنية والاقتصادية التي ولدت من رحم التطبيع. محاولة إدارة غزة عبر شركات الموانئ واللوجستيات الإماراتية هي محاولة لتجميل وجه الاحتلال، وستبقى هذه الخطط تصطدم بصخرة الصمود الفلسطيني الذي يرفض استبدال السجان بـ “وكيل” يرتدي ثوب العمل الإنساني بينما ينفذ أجندة التصفية. غزة لا تحتاج إلى موانئ تدار بعقليات استعمارية، بل تحتاج إلى حرية كاملة تنهي التبعية وتطرد الوكلاء والأصلاء على حد سواء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى