التطبيع كمدخل للتمدد العسكري: قاعدة بربرة تكشف أدوار الإمارات في إعادة رسم خرائط النفوذ
تكشف المعطيات التي أوردتها صحيفة لوموند الفرنسية عن تحوّل نوعي في طبيعة الحضور العسكري في منطقة البحر الأحمر وخليج عدن، حيث تشير المعلومات إلى إنشاء قاعدة عسكرية سرية في مدينة بربرة بإقليم أرض الصومال، بإشراف من الإمارات العربية المتحدة وبما يخدم مصالح كل من إسرائيل والولايات المتحدة. هذا التطور لا يمكن فصله عن مسار التطبيع الذي لم يعد مجرد علاقات دبلوماسية، بل بات غطاءً لتوسّع عسكري وأمني عابر للحدود.
الصور الفضائية التي تحدثت عنها الصحيفة تظهر بوضوح تسارع أعمال تطوير مطار بربرة منذ أواخر 2025، حيث يجري توسيع المدارج وبناء منشآت ذات طابع عسكري في موقع بعيد عن الأضواء. هذا التكتم لا يعكس فقط حساسية المشروع، بل يثير تساؤلات جدية حول طبيعته الحقيقية وأهدافه بعيدة المدى، خصوصًا في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة سياسية وأمنية.
تكمن أهمية بربرة في موقعها الجغرافي الحساس، إذ تقع بالقرب من مضيق باب المندب، أحد أهم شرايين التجارة العالمية. السيطرة أو حتى القدرة على مراقبة هذا الممر تمنح نفوذًا استراتيجيًا هائلًا. لكن ما يثير القلق هو أن هذا النفوذ يجري بناؤه عبر ترتيبات غير شفافة، وبشراكة مع كيان غير معترف به دوليًا بشكل واسع مثل أرض الصومال، ما يفتح الباب أمام تعقيدات قانونية وسياسية خطيرة.
تعزيز النفوذ عبر بوابة البحر الأحمر
الربط الذي أوردته لوموند بين المشروع العسكري وقرار إسرائيل الاعتراف بأرض الصومال في ديسمبر 2025 يعكس بوضوح أن المسألة تتجاوز البعد الدبلوماسي. فهذه الخطوة تبدو جزءًا من استراتيجية أوسع لتأمين موطئ قدم عسكري مباشر لإسرائيل في منطقة طالما بقيت خارج نطاق انتشارها التقليدي. ويُعتقد أن هذه السياسة جاءت بدفع من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في سياق سعيه لتعزيز الحضور الإسرائيلي قرب السواحل اليمنية.
غير أن الدور الأكثر إثارة للجدل في هذا المشهد هو دور الإمارات العربية المتحدة، التي تبدو وكأنها تتصدر هذا المشروع وتوفر له الغطاء اللوجستي والسياسي. فالإمارات، التي سبق أن استثمرت في ميناء بربرة، لم تكتفِ بالدور الاقتصادي، بل انتقلت إلى توظيف هذه الاستثمارات لتعزيز نفوذ عسكري يخدم تحالفات خارجية، وهو ما يطرح تساؤلات حول أولوياتها الإقليمية.
الإمارات في قلب الجدل الإقليمي
هذا التوجه يعكس نمطًا متكررًا في السياسة الإماراتية خلال السنوات الأخيرة، حيث تسعى أبوظبي إلى توسيع حضورها في الممرات البحرية الحيوية، سواء في القرن الإفريقي أو البحر الأحمر. غير أن هذا التوسع غالبًا ما يتم على حساب الاستقرار المحلي، ومن خلال شراكات تثير حساسية سياسية، كما هو الحال في التعامل مع كيان غير معترف به دوليًا.
من زاوية أخرى، فإن إنشاء قاعدة بهذا الحجم في بربرة يعزز من عسكرة المنطقة، ويزيد من احتمالات التصعيد، خاصة في ظل التوترات القائمة مع الحوثيين في اليمن. فالهجمات التي استهدفت الملاحة الدولية، وكذلك العمليات التي طالت إسرائيل، تُستخدم اليوم كمبرر لتكثيف الوجود العسكري، بدلًا من البحث عن حلول سياسية شاملة.
كما أن هذا المشروع يهدد بتعقيد العلاقات مع الصومال، التي تعتبر أرض الصومال جزءًا لا يتجزأ من أراضيها. إقامة قواعد عسكرية أجنبية في الإقليم دون موافقة الحكومة المركزية في مقديشو قد تؤدي إلى تصعيد سياسي وربما أمني، ما يضيف بُعدًا جديدًا للأزمة في القرن الإفريقي.
في المحصلة، فإن قاعدة بربرة ليست مجرد منشأة عسكرية، بل مؤشر على إعادة تشكيل موازين القوى في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية. غير أن الطريقة التي يتم بها هذا التحول، عبر تحالفات غامضة وتحت مظلة التطبيع، تثير مخاوف جدية بشأن مستقبل الاستقرار في البحر الأحمر، وتضع علامات استفهام كبيرة حول الدور الإماراتي الذي بات يُنظر إليه بشكل متزايد كعامل توتر لا تهدئة.







