الإمارات كوكيل للاحتلال الإسرائيلي: إعادة صياغة الدور الإقليمي على حساب الهوية العربية

تسعى دولة الإمارات العربية المتحدة، في السنوات الأخيرة، إلى إعادة رسم موقعها داخل خارطة النفوذ الإقليمي عبر بوابة التحالف والتكامل مع إسرائيل، في مسار يثير جدلاً واسعًا ويضعها في مواجهة متنامية مع محيطها العربي والإسلامي. هذا التوجه لا يعكس مجرد تحول دبلوماسي عابر، بل يكشف عن استراتيجية أعمق تحمل في طياتها رهانات عالية المخاطر، تتجاوز حدود السياسة التقليدية إلى إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.

كسر الهيمنة التقليدية في الخليج
تعتمد المقاربة الإماراتية الجديدة على استثمار العلاقة مع إسرائيل كرافعة جيوسياسية، تمكّنها من تعزيز نفوذها وتوسيع حضورها الإقليمي، في محاولة واضحة لكسر ما يُعرف بـ”عقدة الأخ الأكبر” المرتبطة بالدور السعودي التقليدي في الخليج. وتسعى أبوظبي إلى التموقع كلاعب مركزي، مستفيدة من حالة السيولة التي تمر بها المنطقة، حيث تفتح الأزمات والصراعات المتشابكة المجال أمام قوى صاعدة لإعادة التموضع.

مساران متوازيان: الأمن والنفوذ الميداني
يرتكز هذا الصعود على مسارين متوازيين: الأول يتمثل في تعميق الشراكة مع إسرائيل على المستويات الأمنية والعسكرية والاستخبارية، بما يشمل تبادل الخبرات والتكنولوجيا المتقدمة، والثاني يتمثل في توسيع النفوذ الميداني عبر دعم قوى محلية ووكلاء غير نظاميين في مناطق استراتيجية. هذا التكامل بين البعدين الأمني والميداني يمنح الإمارات قدرة على التأثير تتجاوز حجمها الجغرافي والديموغرافي.

انتشار جغرافي عبر بؤر الصراع
في هذا السياق، تنشط أبوظبي على عدة جبهات، حيث تدعم المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن لتعزيز نفوذها في الموانئ الحيوية، وتستثمر في صوماليلاند لتأمين موطئ قدم استراتيجي بالقرب من مضيق باب المندب، كما ترتبط بعلاقات مع قوات الدعم السريع في السودان ضمن صراع النفوذ هناك. هذه التحركات ليست معزولة، بل تشكل جزءًا من رؤية أشمل تهدف إلى بناء حزام نفوذ يمتد من البحر الأحمر إلى الخليج.

السيطرة على الممرات البحرية
يُعد التحكم في الممرات البحرية أحد الأعمدة الأساسية لهذه الاستراتيجية، إذ يمثل باب المندب بوابة للسيطرة على أحد أهم شرايين التجارة العالمية، فيما يشكل مضيق هرمز نقطة ارتكاز للتأثير في تدفقات الطاقة. ومن خلال الجمع بين هذين الموقعين، تسعى الإمارات إلى امتلاك أوراق ضغط جيوسياسية غير مسبوقة، تعزز موقعها في التوازنات الإقليمية والدولية.

إسرائيل كرافعة مركزية
في قلب هذا المشروع، تبرز العلاقة مع إسرائيل كعنصر محوري، حيث لا يقتصر الأمر على التطبيع السياسي، بل يتعداه إلى اندماج أمني واقتصادي عميق. وتراهن القيادة الإماراتية على أن هذا التحالف سيوفر لها مزايا استراتيجية، تشمل الوصول إلى التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، وتعزيز قدراتها الاستخبارية، إضافة إلى فتح قنوات تأثير داخل دوائر القرار الغربية.

تكلفة سياسية وأخلاقية متصاعدة
لكن هذا المسار يطرح في المقابل كلفة سياسية وأخلاقية متزايدة، إذ يؤدي التقارب مع إسرائيل إلى تآكل رصيد الإمارات في العالم العربي والإسلامي، خاصة في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي وتصاعد معاناة الشعب الفلسطيني. وقد باتت أبوظبي، في نظر كثيرين، تُنظر إليها كوكيل إقليمي يخدم أجندات الاحتلال، بدل أن تكون داعمًا للقضايا العربية.

تحول في الصورة والدور الإقليمي
منذ صعود محمد بن زايد إلى سدة الحكم، تخلت الإمارات تدريجيًا عن صورتها كدولة وسيطة أو متوازنة، لتتحول إلى طرف منحاز ضمن محور مثير للجدل. هذا التحول ترافق مع انخراط متزايد في صراعات إقليمية عبر وكلاء، ما أثار مخاوف من دور تخريبي يهدد استقرار الدول بدل دعمه.

انتقادات متزايدة وتوترات إقليمية
تواجه السياسات الإماراتية انتقادات متكررة بسبب دعمها لقوى مسلحة غير نظامية، الأمر الذي يقوّض خطابها الرسمي حول الاستقرار والتنمية، ويضعها في تناقض واضح مع تطلعات الشعوب. كما أن هذا النهج يؤدي إلى توتر علاقاتها مع عدد من الدول العربية والإسلامية، سواء بسبب الموقف من إسرائيل، أو نتيجة تضارب المصالح في ساحات النزاع.

معادلة النفوذ والمخاطر
في المحصلة، تعكس الاستراتيجية الإماراتية طموحًا كبيرًا لإعادة هندسة موقعها الإقليمي، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن ميل واضح نحو المغامرة السياسية والعسكرية. وبينما تسعى أبوظبي إلى تحقيق مكاسب سريعة عبر التحالف مع إسرائيل، فإنها تخاطر بخسارة عمقها العربي والإسلامي، ما يضعها أمام معادلة معقدة قد تتحول فيها هذه الرهانات إلى عبء استراتيجي ثقيل.

خاتمة: بين الطموح والعزلة المحتملة
إن إعادة رسم الدور الإقليمي لا يمكن أن تقوم على تحالفات تتعارض مع وجدان الشعوب، ولا على سياسات تتجاهل الثوابت التاريخية. وما لم تعِ الإمارات هذه الحقيقة، فإن مسارها الحالي قد يقودها إلى عزلة متزايدة، بدل أن يمنحها المكانة التي تسعى إليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى