الإمارات وكيل الاحتلال في المنطقة: كيف تُدار حسابات “فلسطينية” لضرب المقاومة؟

لم يعد الحديث عن “رؤية 2030” في الأوساط الاقتصادية والإعلامية يدور حول الطموح بقدر ما يدور حول الكلفة. الكلفة المالية، والكلفة السياسية، وكلفة السمعة. من ملاعب الغولف التي لا تدر أرباحًا، إلى منتجعات فاخرة “شبه خالية”، إلى أفلام مدعومة بملايين الدولارات تفشل في شباك التذاكر، يتراكم مشهد عام عنوانه التخبط وسوء تقدير الأولويات.
في الوقت الذي تعترف فيه إدارة دوري “ليف غولف” بأن المشروع لن يحقق أرباحًا قبل عام 2030، تستمر المليارات في التدفق نحو بطولات جديدة، وجوائز مالية ضخمة، وحملات ترويج لا تبدو مرتبطة بحسابات عائد واستدامة بقدر ما ترتبط بإصرار سياسي على فرض واقع إعلامي مغاير للواقع الاقتصادي.
السؤال لم يعد: هل تنفق السعودية كثيرًا؟ بل أصبح: لماذا يُصرّ صانع القرار على مضاعفة الإنفاق في قطاعات لم تثبت جدواها، في وقت تتزايد فيه الضغوط المالية وتتراكم العجوزات؟
الرياضة كمنصة إنفاق لا كصناعة مستدامة
بعد سنوات من ضخ مليارات الدولارات في دوري “ليف غولف”، ومع اعتراف قيادته بعدم تحقيق أرباح قبل نهاية العقد، كان من المتوقع أن يُعاد تقييم التجربة. لكن ما حدث هو العكس: إطلاق بطولة جديدة للسيدات برعاية صندوق الاستثمارات العامة، وجوائز مالية تصل إلى 5 ملايين دولار في انطلاقة الجولة الأوروبية للسيدات لعام 2026.
من حيث الشكل، يبدو الأمر تقدمًا وتمكينًا للرياضة النسائية. لكن من حيث الجوهر، يطرح تساؤلات حول منطق الاستمرار في نموذج إنفاق لم يثبت جدواه التجارية بعد. إذا كان الدوري الرجالي نفسه لم يحقق ربع ما صُرف عليه، فما الذي يضمن أن النسخة النسائية ستنجح ماليًا؟
تتحول الرياضة هنا من صناعة قائمة على الطلب الحقيقي والرعايات المستقرة، إلى أداة دعائية باهظة الثمن. فالعائد الأساسي يبدو سياسيًا وإعلاميًا: صورة الانفتاح، وتصدّر العناوين العالمية، وإثبات الحضور الدولي. أما الربحية، فتُرحَّل دائمًا إلى المستقبل.
المفارقة أن هذا الإنفاق يحدث في وقت تُقلَّص فيه مشاريع بنية تحتية أخرى، وتُعاد مراجعة مبادرات ضخمة بسبب ضغوط التمويل. الأولويات تبدو معكوسة: ملاعب وبطولات أولًا، ثم حسابات الجدوى لاحقًا.
السياحة الفاخرة بين الطموح والفراغ
مشروع منتجعات البحر الأحمر قُدِّم بوصفه جوهرة السياحة السعودية الجديدة. عشرات المنتجعات الفاخرة، مليارات الدولارات، ووعود بجذب النخبة العالمية. لكن الواقع الميداني مختلف: تقارير تتحدث عن أن معظم المنتجعات المنجزة “شبه خالية”، وأن الموظفين يقضون وقتًا أطول في تنظيف الغبار من خدمة النزلاء.
المشكلة لم تكن فقط في غياب المشروبات الكحولية، كما يشير بعض الاستشاريين، بل في سوء تقدير السوق. الأسعار المرتفعة، والحجم الهائل للمشاريع، والرهان على عدد محدود من الزوار القادرين على دفع هذه التكاليف، كلها عوامل كشفت فجوة بين التوقعات والطلب الفعلي.
حين تُبنى مشاريع سياحية على افتراض تدفق كثيف من السياح الفاخرين، دون اختبار تدريجي للسوق، تتحول إلى عبء تشغيلي. مصادر من داخل المشروع تتحدث عن تكاليف تشغيلية تتجاوز العوائد بشكل يصعب تحمله. وهذا يعني أن الإنفاق لا يتوقف عند البناء، بل يستمر في الصيانة والتشغيل في ظل إشغال ضعيف.
السياحة هنا لم تُصمَّم انطلاقًا من واقع الطلب، بل من رؤية طموحة تسابق الزمن. وحين لا يواكب الطلب هذه الطموحات، تتراكم الخسائر بصمت.
السينما والنفوذ الثقافي: استثمار بلا عائد شعبي
في المجال السينمائي، يتكرر المشهد ذاته. فيلم “الست”، المدعوم سعوديًا بتكلفة 8 ملايين دولار (دون احتساب التسويق)، كان مرشحًا ليكون نجاحًا إقليميًا ضخمًا. طاقم نجوم، إنتاج مشترك مع أكبر شركة مصرية، وترويج واسع.
لكن بعد أسابيع من العرض، لم يحقق سوى أقل من مليوني دولار. فشل تجاري واضح، وعاصفة جدل في مصر، واتهامات بتشويه رمز ثقافي بحجم أم كلثوم.
الفشل هنا ليس ماليًا فقط، بل رمزي أيضًا. الاستثمار في صناعة السينما الإقليمية كان يهدف إلى توسيع النفوذ الثقافي وتعزيز صورة السعودية كقوة داعمة للفن العربي. لكن الاستقبال العدائي، والسخرية الواسعة، أظهرا حدود هذا النفوذ.
عندما يتحول التمويل إلى أداة تأثير ثقافي دون حساسية كافية للسياقات المحلية، تكون النتيجة رد فعل عاطفي مضاد. وهنا يظهر التخبط: إنفاق ضخم بلا قراءة دقيقة للمزاج الشعبي، ولا حسابات دقيقة للعائد.
التخبط السياسي وانعكاسه الاقتصادي
قرار إعفاء خالد الفالح من منصبه في وزارة الاستثمار جاء في سياق انتقادات متزايدة حول المبالغة في الترويج للرؤية الطموحة. محللون أشاروا إلى أن بناء مدينة عملاقة في شمال غرب المملكة لم يكن “ملموسًا” للمستثمرين الأجانب.
هذه التصريحات تعكس مشكلة أعمق: الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الاستثماري. المستثمر يبحث عن بيئة مستقرة، عوائد واضحة، ومخاطر محسوبة. لكن حين تتغير المشاريع، وتُعاد صياغة الأهداف، وتُعلن مراجعات متتالية، تتراجع الثقة.
التخبط في المشاريع العملاقة—من نيوم إلى المكعب إلى ملاعب كأس العالم—لا يبقى محصورًا في قطاع واحد. إنه يرسل إشارة عامة عن كيفية إدارة الموارد واتخاذ القرار.
بين الصورة والواقع أي مستقبل لاقتصاد يُدار بالاستعراض؟
ما يجمع بين بطولات الغولف، ومنتجعات البحر الأحمر، والأفلام المدعومة، ليس المجال نفسه، بل نمط الإدارة: إنفاق استعراضي، تقديرات متفائلة، وتأجيل دائم لسؤال الربحية.
الاقتصاد السعودي اليوم لا يعاني من نقص الموارد بقدر ما يعاني من تضارب الأولويات. حين تُضخ المليارات في مشاريع لم تثبت جدواها، بينما تتزايد العجوزات وتُراجع الخطط، تتآكل الثقة تدريجيًا—داخليًا وخارجيًا.
الرهان على الصورة الدولية قد يحقق حضورًا إعلاميًا، لكنه لا يعوّض غياب العائد المستدام. وإذا استمر المسار على هذا النحو، فقد تجد المملكة نفسها أمام تراكم مشاريع باهظة الثمن لم تحقق الوعد، واقتصاد يحتاج إلى إعادة ضبط أعمق من مجرد إطلاق بطولة جديدة أو فيلم جديد. النجاح الاقتصادي لا يُقاس بعدد الفعاليات ولا بحجم الجوائز، بل بقدرة المشاريع على الوقوف بذاتها. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل آن أوان الانتقال من اقتصاد العناوين إلى اقتصاد النتائج






