غزة تحت الوصاية الإبراهيمية: التطبيع الإماراتي كأداة في مشروع السيطرة الإسرائيلية

في توقيت بالغ الحساسية، كشفت وسائل إعلام عبرية عن تنسيق إسرائيلي–إماراتي يتجاوز حدود الدعم السياسي إلى أدوار تنفيذية مباشرة في قطاع غزة، تتصدرها مهمة الرقابة على إعداد مناهج تعليمية جديدة للقطاع، ضمن تصور أوسع لما يسمى “غزة ما بعد الحرب”.
هذا التطور لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق حرب الإبادة التي طالت غزة لأكثر من عامين، ولا عن التحول العميق في طبيعة الدور الإماراتي منذ توقيع اتفاقات التطبيع، حيث انتقلت أبوظبي من موقع الشريك السياسي الصامت إلى فاعل وظيفي في هندسة الواقع الفلسطيني.

من التطبيع إلى الوصاية التعليمية
وفق ما رشح من الإعلام العبري، لا يُنظر إلى المناهج التعليمية في غزة بوصفها شأنًا تربويًا محضًا، بل كمدخل لإعادة تشكيل الوعي الجمعي الفلسطيني. فالمطلوب، بحسب هذه التصورات، هو إنتاج خطاب “إبراهيمي” منزوع السياسة، يُفرغ القضية من بعدها التحرري، ويعيد تعريف العلاقة مع الاحتلال باعتبارها “تعايشًا” مفروضًا لا يُقاوَم. هنا يتجلى الدور الإماراتي بوصفه وسيطًا ناعمًا لتسويق رؤية إسرائيلية صلبة، تُدار بأدوات تعليمية وثقافية بدل الدبابات، لكنها لا تقل خطورة عنها على المدى البعيد.


هندسة أمنية موازية للمجتمع
لا يتوقف التنسيق عند حدود التعليم. فالتصورات المطروحة تشمل إنشاء مناطق خاضعة لرقابة أمنية مشددة، خصوصًا في رفح، وتفعيل ميليشيات محلية تعمل كقوى ضبط ميداني بديلة لأي سلطة وطنية منتخبة أو فصائل مقاومة. وتشير معطيات متداولة إلى أن تمويل هذه الترتيبات بدأ منذ أشهر، في إطار إعداد بنية “حكم وظيفي” يحقق الهدف الإسرائيلي المركزي: غزة بلا مقاومة، وبلا قرار سيادي، وبلا عمق سياسي عربي داعم.


“إعادة الإعمار” كغطاء سياسي
تحاول الأطراف المروّجة لهذه المشاريع تقديمها تحت لافتة “إعادة الإعمار” و“الرعاية الإنسانية”، غير أن القراءة المتأنية تكشف أن الإعمار هنا مشروط سياسيًا وأمنيًا. فالمطلوب ليس إعادة بناء ما دمّرته الحرب فحسب، بل إعادة ترتيب غزة بما يتلاءم مع متطلبات الأمن الإسرائيلي، حتى لو جاء ذلك على حساب حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم أو اختيار ممثليهم. بهذا المعنى، يتحول الإعمار إلى أداة ضغط، تُمنح مقابل القبول بالوصاية، لا مقابل إنهاء الاحتلال.


تعطيل وقف النار ومسارات الإغاثة
في البعد السياسي، تؤكد مصادر مطلعة أن الدور الإماراتي لا يسير في اتجاه تسريع وقف إطلاق النار، بل يدعم اشتراطات تُبقي هذا المسار معلقًا تحت ذرائع “الضمانات الأمنية” و“ترتيبات ما بعد الحرب”. هذه الاشتراطات تمنح إسرائيل وقتًا إضافيًا لاستكمال أهدافها العسكرية، وتُفرغ أي مسار تفاوضي من مضمونه الإنساني العاجل.
كما تشير المعطيات إلى مساهمة أبوظبي في تمييع بعض مسارات الإغاثة، عبر الدفع نحو آليات توزيع معقدة أمنيًا، أو دعم مبادرات بديلة تفتقر إلى القدرة الفعلية على الاستجابة لحجم الكارثة. الهدف السياسي هنا واضح: سحب ملف الإغاثة من الأطراف الأكثر تأثيرًا ميدانيًا، وتحويله إلى ورقة ضبط وسيطرة بدل أن يكون أداة إنقاذ.


شيطنة الوسطاء وتحجيم الدور الإقليمي
يترافق هذا المسار مع حملة إعلامية وسياسية لتهميش أي أدوار إقليمية لا تنسجم مع الرؤية الإسرائيلية–الإماراتية. فكل وسيط يمتلك أوراق ضغط حقيقية أو يحظى بثقة قوى المقاومة يُقدَّم باعتباره “معرقلًا” أو “غير واقعي”، في محاولة لإفراغ ساحة الوساطة من أي أطراف قد تفرض معادلات مغايرة.


غزة كنموذج تهديد إقليمي
يحذر مراقبون من أن ما يُحضَّر لغزة يتجاوز حدود القطاع. فغزة، في هذه التصورات، تُراد لها أن تكون وكيلًا أمنيًا إبراهيميًا، يشكّل مخلب ضغط في خاصرة مصر، وعامل تهديد غير مباشر للأردن وسيناء. وهو نموذج يتقاطع بوضوح مع تحركات موازية في اليمن والقرن الإفريقي والسودان، حيث تظهر بصمات مشتركة تقوم على منطق التطويق، وبناء شبكات نفوذ محلية، والسيطرة على الممرات الحيوية.


تحالف وظيفي بغطاء ناعم
ما يتكشف اليوم هو تحالف أمني ووظيفي عميق، تُستخدم فيه “النعومة” الإماراتية لتسويق مشاريع إسرائيلية توسعية. تحالف لا يخدم سوى الاحتلال، ويحوّل القضايا العربية إلى ملفات إدارية تُدار من خارجها. ويحذر المراقبون من أن الصمت الإقليمي إزاء هذا المسار سيجعل من غزة مجرد بداية، ما لم يُواجَه هذا المشروع بوعي سياسي عربي يرفض تحويل التطبيع إلى أداة وصاية، ويعيد الاعتبار لجوهر الصراع بوصفه صراع تحرر لا يقبل التجميل الإبراهيمي ولا الشراكة الوظيفية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى