“ساحرة الحقيقة”.. مواجهة علنية بين سفير الاحتلال والمقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيز في الأمم المتحدة

في مشهدٍ نادر يجمع بين الوقاحة السياسية والعجز الأخلاقي، وصف سفير الاحتلال الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة، داني دانون، المقررة الخاصة بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيز بـ”الساحرة”، عقب تقديمها تقريرًا جديدًا أمام الجمعية العامة يتهم المجتمع الدولي بالتواطؤ في جريمة الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني.
خلفية المشهد
تقرير ألبانيز الأخير مثّل وثيقة دامغة على فشل المجتمع الدولي في وقف الإبادة المستمرة في غزة والضفة، مشيرة إلى أن إسرائيل ما كانت لتتمادى في جرائمها دون الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي الغربي. وقدّم التقرير توصيفًا واضحًا بأن ما يحدث هو “جريمة جماعية مدعومة بتواطؤ دول ثالثة مؤثرة”.
رد الاحتلال: خطاب السحر بدل الحجة
عوضًا عن الرد على مضامين التقرير، اختار دانون أسلوب السخرية والإهانة، فوصف ألبانيز بأنها “ساحرة”، وأن تقريرها “كتاب تعاويذ مليء بالأكاذيب”، في محاولة لإسقاط الجدل الأخلاقي والسياسي في مستوى شخصي يشي بعجز الاحتلال عن مواجهة الأدلة.
اللافت أن هذا الهجوم يعكس خوف إسرائيل من اللغة القانونية الواضحة التي استخدمتها ألبانيز، بعدما تجاوزت حدود “الإدانة الأخلاقية” إلى اتهام قانوني مباشر بالإبادة والتواطؤ الدولي.
رد ألبانيز: قوة الكلمة في مواجهة السخرية
جاء رد المقررة الأممية هادئًا ومهينًا لدانون في الوقت ذاته:
“إنه أمر مشوه وبصراحة وهمي أن دولة متهمة بالإبادة الجماعية لا تستطيع الرد على جوهر نتائجي… وأفضل ما تلجأ إليه هو اتهامي بالسحر.”
وأضافت بسخرية راقية:
“لو كانت لدي قدرة على إلقاء التعاويذ، لاستخدمتها لإيقاف جرائمكم مرة واحدة وللأبد.”
بهذا الرد، حوّلت ألبانيز الهجوم الشخصي إلى إدانة أخلاقية علنية للاحتلال أمام المجتمع الدولي، مؤكدة أن التهكم لا يُسقط الاتهام ولا يُضعف الأدلة.
تواطؤ دولي على أربع مستويات
ألبانيز صنّفت أشكال الدعم الغربي لإسرائيل إلى أربعة مسارات رئيسية:
- دبلوماسي: عبر الفيتو الأمريكي المتكرر (سبع مرات) لمنع قرارات وقف إطلاق النار، ومشاريع القرارات “المخففة” من بريطانيا وألمانيا وكندا وغيرها.
- عسكري: استمرار توريد الأسلحة رغم قرارات الحظر الأممية، حيث تضمن واشنطن سنويًا أكثر من 3.3 مليار دولار تمويلًا عسكريًا و500 مليون إضافية للدفاع الصاروخي حتى عام 2028.
- اقتصادي: علاقات تجارية واستثمارية متزايدة مع شركات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
- إعلامي وإنساني: تغطية منحازة من الإعلام الغربي وتوظيف المساعدات الإنسانية لتجميل صورة الاحتلال.
الموقف العربي: دعم خطابي وعجز عملي
ورغم إشادة التقرير بمواقف التضامن العربي والإسلامي، إلا أنه انتقد الغياب العملي للإجراءات الحاسمة، مشيرًا إلى أن بعض الدول سهّلت مرور شحنات إسرائيلية عبر البحر الأحمر، بينما واصلت مصر إغلاق معبر رفح وتعاونها الاقتصادي مع تل أبيب، ما شكّل “تواطؤًا ضمنيًا في استمرار الحصار”.
ما جرى في قاعة الأمم المتحدة لم يكن مجرد مشادة لفظية، بل تجسيد رمزي لصراع الحقيقة مع البروباغندا. ألبانيز تمثل صوت الضمير القانوني العالمي الذي يحاكم الاحتلال بلغة القانون الدولي، بينما يمثل دانون عجز إسرائيل عن الرد بالحجة فلجأت إلى السخرية والشخصنة.
إن هجوم الاحتلال على ألبانيز ليس دفاعًا عن النفس، بل دليل إدانة إضافي يؤكد أن الكلمة الصادقة أصبحت اليوم أخطر على إسرائيل من أي سلاح.
حين تعجز إسرائيل عن دحض الأدلة، تتهم أصحابها بالسحر.
لكن “سحر” ألبانيز الحقيقي هو صدقها في وجه الإبادة، وشجاعتها في تسمية الأشياء بأسمائها.






