عزل نائبة رئيس محكمة العدل الدولية.. اختبار جديد لمصداقية العدالة الدولية

أثارت الدعوة التي أطلقتها المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا لعزل القاضية الأوغندية جوليا سبتندي، نائبة رئيس محكمة العدل الدولية، جدلاً واسعًا حول حياد المؤسسة القضائية الأممية الأعلى. هذه الخطوة تأتي في وقت بالغ الحساسية، حيث تواجه المحكمة ملفات متعلقة بالإبادة الجماعية في غزة وانتهاكات الاحتلال الإسرائيلي، ما يجعل المسألة اختبارًا مباشرًا لمدى قدرة العدالة الدولية على حماية سمعتها واستقلالها.
فقدان الحياد.. مأزق أخلاقي وقانوني
تشير المنظمة الحقوقية إلى أن سبتندي لم تكتفِ بإظهار انحياز سياسي أو قانوني، بل تجاوزت ذلك إلى تبني مواقف عقائدية دينية مسيانية، إذ أعلنت في خطاب علني دعمها لإسرائيل على أساس “واجب ديني” و”علامات نهاية الزمان”.
هذا الموقف يُقوّض المادة الثانية من نظام المحكمة التي تشترط النزاهة والحياد والاستقلال، ويفتح الباب للمطالبة بعزلها وفق المادة 18 التي تتيح سحب الثقة من القاضي إذا فقد مقومات الأمانة القضائية.
سجل مثير للجدل
مواقف سبتندي السابقة لا تقل خطورة عن تصريحاتها الأخيرة:
- رفضت جميع التدابير الاحترازية التي أصدرتها المحكمة لصالح الفلسطينيين، بما في ذلك إدخال المساعدات الإنسانية.
- أصدرت رأيًا معارضًا للرأي الاستشاري بشأن الاحتلال استند بشكل واسع إلى روايات توراتية، متجاهلة المرجعيات القانونية الدولية.
- كشف بحث أكاديمي أن أكثر من ثلث نصوص رأيها المعارض (32.2%) منسوخة من مصادر عامة مثل ويكيبيديا وBBC، في انتهاك فاضح للأمانة العلمية.
هذه المعطيات ترسم صورة لقاضية فقدت المعايير الجوهرية المطلوبة لعضوية المحكمة، بل وتحولت إلى طرف منحاز بوضوح.
أبعاد سياسية ودلالات خطيرة
القضية لا تتعلق بسبتندي وحدها، بل تمس سمعة محكمة العدل الدولية بأكملها. إذ إن تجاهل هذه الانحيازات يضعف ثقة المجتمع الدولي في قرارات المحكمة، ويعطي ذريعة لإسرائيل وأنصارها للتهرب من الالتزامات القانونية عبر استغلال ثغرات داخل الجهاز القضائي الأممي.
كما أن الإبقاء على قاضية منحازة في موقع حساس كمنصب نائب الرئيس قد يفتح الباب أمام التشكيك في كل قرارات المحكمة، خصوصًا تلك المتعلقة بفلسطين، ما يفرغ العدالة الدولية من مضمونها.
من هي جوليا سبتندي؟
رغم أن سيرتها الذاتية حافلة بالإنجازات؛ من التحقيق في قضايا فساد في أوغندا، إلى محاكمة تشارلز تايلور في سيراليون، ثم دخولها التاريخ كأول امرأة إفريقية في محكمة العدل الدولية عام 2012؛ إلا أن مواقفها الأخيرة نسفت ما راكمته من رصيد مهني، لتضع نفسها في مواجهة مباشرة مع مبادئ القانون الدولي.
الخلاصة: اختبار لمستقبل العدالة الدولية
المنظمة الحقوقية شددت على أن المحكمة أمام منعطف حاسم: إما أن تثبت التزامها الصارم بمبادئ الحياد عبر عزل سبتندي، أو أن تترك الباب مفتوحًا لتشكيك عميق في نزاهتها، وهو ما سيؤدي إلى فقدان ثقة الضحايا والمجتمع الدولي بها.
في السياق الأوسع، يعكس هذا الجدل أزمة أكبر: هل تستطيع العدالة الدولية التحرر من الضغوط السياسية والدينية والهيمنة الغربية؟
الإجابة على هذا السؤال ستحدد مستقبل المحكمة كمرجعية عليا للقانون الدولي، أو مجرد منصة شكلية تُستخدم لتكريس ازدواجية المعايير.
التحليل الختامي:
المعركة حول عزل جوليا سبتندي ليست قضية شخصية، بل صراع على روح العدالة الدولية نفسها، بين قضاة متمسكين بمبادئ الحياد والقانون، وبين نفوذ سياسي وديني يحاول توظيف القضاء لخدمة مشروع استعماري يواصل ارتكاب الإبادة في غزة.







