“إسرائيل الكبرى”.. مشروع توسعي يعيد رسم خرائط الشرق الأوسط

مقدمة

منذ أكثر من قرن، طرح مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هيرزل فكرة “إسرائيل الكبرى” الممتدة من النيل إلى الفرات. ما كان حينها مجرد أطروحة سياسية مدعومة بخيال أيديولوجي، تحول اليوم إلى رؤية متجددة يجري توظيفها سياسيًا وعسكريًا، ويثير مخاوف من مخطط لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على أسس جديدة.

جذور المشروع

تعود الفكرة إلى نهاية القرن التاسع عشر، حين كتب هيرزل في مذكراته مطالبًا بأرض تمتد من نهر النيل في مصر حتى نهر الفرات في العراق. هذه الرؤية التي بدت طوباوية حينها، سرعان ما تحولت إلى برنامج سياسي متدرج تحقق جزئيًا مع إعلان دولة إسرائيل عام 1948، ثم توسع بعد حربي 1967 و1973.

وفي ثمانينيات القرن الماضي، جاءت خطة عوديد يينون لتُعيد صياغة المشروع بصيغة عملية تقوم على مبدأ “التفتيت والتقسيم”: تقسيم الدول العربية إلى كيانات صغيرة على أسس دينية وعرقية، بدءًا من لبنان وسوريا والعراق وصولًا إلى مصر والسعودية. الهدف المعلن كان ضمان تفوق إسرائيل عبر محيط مفكك وضعيف.

جدل متجدد

عاد مصطلح “إسرائيل الكبرى” إلى الواجهة بعد انتشار صورة لجندي إسرائيلي يرتدي شارة تضم خريطة لهذه الدولة المزعومة، تشمل أجزاء واسعة من مصر والسعودية والأردن وسوريا والعراق ولبنان إلى جانب فلسطين المحتلة. أثارت الصورة غضبًا واسعًا في العالم العربي، خصوصًا أن ظهورها تزامن مع تصريحات إسرائيلية مثيرة، منها قول السياسي آفي ليبكين مطلع 2024:

“في نهاية المطاف ستصل حدودنا إلى الصحراء الكبرى، سنأخذ مكة والمدينة وجبل سيناء، ونوفر مظلة حماية للبنان.”

الإطار الجيوسياسي للفكرة

لم يعد المشروع مجرد حلم أيديولوجي، بل بات يُقرأ من خلال نظريات الجغرافيا السياسية الحديثة.

  • الباحث شاؤول كوهين تحدث عن “أشباه الدول” في الشرق الأوسط، ورأى أن المنطقة تتحول إلى “حزام مكسر”، ما يفتح الباب لولادة كيانات جديدة هشة بديلة عن الدول الوطنية.
  • هذا الطرح ينسجم مع رؤية إسرائيل التي تسعى لإضعاف دول المنطقة وتحويلها إلى كيانات صغيرة غير قادرة على مواجهة مشروعها التوسعي.

التداعيات الإقليمية

مشروع “إسرائيل الكبرى” يطرح تداعيات خطيرة على الواقع الراهن:

  1. الحرب على غزة أعادت إلى الأذهان الطموحات التوسعية، خاصة مع سقوط أكثر من 34 ألف قتيل و78 ألف جريح فلسطيني، ما جعل إسرائيل في مواجهة مباشرة مع الرأي العام العالمي.
  2. مسار التطبيع مع السعودية تعثر، وسط مخاوف من أن يكون جزءًا من صفقة كبرى ترتبط بخرائط التوسع الإسرائيلي.
  3. إيران وحلفاؤها ينظرون إلى المشروع كتهديد وجودي، ما يزيد احتمالات التصعيد العسكري.
  4. تركيا ومصر باتتا أكثر حذرًا، إذ يخشى مراقبون أن يشمل التوسع أراضي سيناء أو حتى الأناضول، كما حذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مايو 2024.

الموقف الدولي

ورغم أن إسرائيل تعتمد في جزء كبير من قوتها على الدعم الأمريكي والأوروبي، فإن مشروع “إسرائيل الكبرى” يصطدم مع مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، الذي يرفض المساس بوحدة وسيادة الدول. إلا أن الخطاب الإسرائيلي يُظهر تصميمًا على مواصلة التوسع، سواء بالاستيطان أو بالضغط العسكري أو عبر تحالفات سياسية جديدة.

الخلاصة

مشروع “إسرائيل الكبرى” ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل خطة متجددة تتجسد في السياسات اليومية لإسرائيل:

  • الاستيطان المستمر في الضفة الغربية.
  • محاولات التطبيع مع الدول العربية لكسر عزلتها.
  • خطاب سياسي يربط بين الأمن الإسرائيلي والتوسع الجغرافي.

وبينما يرى محللون أن هذه الرؤية قد تظل “أقصى المطالب” التي تستخدمها إسرائيل كورقة تفاوضية، يحذر آخرون من أنها قد تتحول إلى واقع سياسي وعسكري إذا استمر الضعف والانقسام العربي.

يبقى السؤال: هل يقف الشرق الأوسط أمام إعادة رسم خريطته بيد إسرائيل وفق مشروع قديم متجدد، أم أن التحالفات الإقليمية ستقف سدًا أمام هذا التوسع؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى