ماكرون يحذّر من توسيع العمليات في غزة ويقترح بعثة أممية لـ“الاستقرار”

أولًا: ماذا قال ماكرون فعلًا؟
في 11 أغسطس 2025، حذّر الرئيس الفرنسي من أن توسيع العمليات و“إعادة السيطرة” على غزة سيقود إلى حرب دائمة ويجعل الرهائن الإسرائيليين وسكان غزة أول الضحايا، داعيًا إلى ائتلاف دولي بتفويض أممي لـ“تثبيت الاستقرار” في القطاع. حدّد هدف البعثة في تأمين غزة وحماية المدنيين ودعم الحوكمة الفلسطينية، وطالب ببدء مناقشات عاجلة في مجلس الأمن
كما ربطت تغطيات أخرى موقفه بمسار أوسع لفرنسا نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية أو الدفع باتجاهه، مع تباين بين من ذكر قرب الاعتراف ومن أشار إلى النية خلال اجتماعات أيلول/سبتمبر. المهم هنا أن المقترح الأممي يأتي ضمن حزمة سياسية أكبر تريد باريس دفعها.
ثانيًا: مضمون “بعثة الاستقرار” المقترحة
لا يقتصر اقتراح ماكرون على وقف النار، بل يتكئ على تصور مفصّل ورد في “إعلان نيويورك” (29 يوليو 2025) الذي يدعم نشر بعثة استقرار مؤقتة “بناءً على دعوة من السلطة الفلسطينية وتحت رعاية الأمم المتحدة وبتفويض من مجلس الأمن”، وتتضمن مهامّها:
- حماية المدنيين،
- مساندة نقل مسؤوليات الأمن للسلطة الفلسطينية وبناء قدراتها،
- مراقبة وقف إطلاق النار وأي اتفاق سلام لاحق،
- تقديم ضمانات أمنية للفلسطينيين والإسرائيليين. كما رحّب الإعلان باستعداد بعض الدول للمساهمة بقوات.l
هذه الصيغة أقرب إلى بعثات “الاستقرار” robust تحت الفصل السابع (قواعد اشتباك أوسع من مراقبة تقليدية)، مع ربط واضح بعملية DDR (نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج) ضمن ترتيبات “سلاح واحد وقانون واحد” للسلطة الفلسطينية.
ثالثًا: السياق الدولي وردود الفعل
- الأمم المتحدة: الأمانة العامة حذّرت سابقًا من أن توسيع العمليات سيكون “مثيرًا للقلق بعمق” وقد يفضي إلى عواقب كارثية.
- أوروبا: مواقف متزايدة تنتقد التوسيع وتدعو لوقف الحرب؛ رئيس وزراء هولندا كتب: “الوضع كارثي والحرب يجب أن تتوقف… وعلى الصحفيين العمل بأمان”، فيما أدانت سلوفينيا المخططات ووصفت قتل الصحفيين بالمخزي والاعتداء على الحقيقة.
- إسرائيل: قرار المجلس الوزاري المصغر بالمضي نحو السيطرة على غزة سيتي ومناطق أخرى شكّل خلفية مباشرة لطرح ماكرون؛ ورغم حديث نتنياهو عن عدم نية “احتلال غزة”، إلا أن الخطة تنطوي على هجوم شامل وانتشار أوسع.
- الولايات المتحدة ومجلس الأمن: واشنطن استخدمت الفيتو في 4 حزيران/يونيو ضد قرار يطالب بوقف فوري ودائم لإطلاق النار، ما يعكس مناخًا صعبًا أمام أي تفويض قوي لبعثة جديدة.
رابعًا: إمكانات تمرير البعثة… أين العقبات؟
- التفويض القانوني: بعثة بحجم “استقرار” تحتاج غالبًا إلى قرار من مجلس الأمن تحت الفصل السابع لتكون فعّالة. أي فيتو أمريكي يعرقل الإطلاق أو يُضعف التفويض والمهام. (دلالة: فيتو 4 حزيران/يونيو).
- القبول السياسي الميداني: نجاح أي بعثة مشروط بقدر من قبول الأطراف المعنية:
- الحكومة الإسرائيلية أبدت مسارًا عمليًا نحو انتشار أوسع لقواتها؛ تاريخيًا لا ترحّب بقوات أممية مقيّدة ليدها العملياتية.
- السلطة الفلسطينية تظهر في “إعلان نيويورك” كجهة مدعوّة لتحمّل الأمن “بسلاح واحد”، ما يمنح الغطاء السياسي للبعثة إن طُلبت رسميً.
- الحكومة الإسرائيلية أبدت مسارًا عمليًا نحو انتشار أوسع لقواتها؛ تاريخيًا لا ترحّب بقوات أممية مقيّدة ليدها العملياتية.
- الجاهزية العملياتية: لنجاح بعثة حماية مدنيين في بيئة حضرية عالية المخاطر، تُطلب قوات مدربة، تجهيزات حماية، منظومات استخبارات، وقدرات إجلاء طبي… وهذه تتطلب مساهمين عسكريين راغبين وقواعد اشتباك واضحة، وهو تحدٍ سياسي/عملي معروف في البعثات الأممية الثقيلة.
خامسًا: مقارنة نماذج
- UNIFIL II (لبنان): نموذج “تعزيز” بعد حرب 2006 بدعم بحري/بري وولاية حماية موسعة نسبيًا—لكن مع قيود سياسية تحد من الردع.
- MINUSMA/بعثات الاستقرار: قدرات أقوى على الحماية، لكن التكلفة البشرية واللوجستية أعلى، والبيئة المعقدة قد تؤدي إلى انسحابات مبكرة إن غاب الغطاء السياسي.
خلاصة المقارنة: النجاح يتوقف على التفويض القوي + توافق سياسي إقليمي + قبول محلي + مساهمين جادين—وجميعها غير مضمونة حاليًا.
سادسًا: سيناريوهات الأشهر الثلاثة–الستة القادمة
- سيناريو الجمود (مرجّح): توسّع إسرائيلي تدريجي داخل/حول غزة سيتي، تعثّر في مجلس الأمن، وبقاء المقترح الفرنسي في خانة “ورقة ضغط دبلوماسية” دون تفويض عملي.
- تفويض محدود/تسوية وسط: قبول مراقبة أممية أو بعثة مراقبة وقف إطلاق نار محدودة المهام بدل قوة استقرار robust، بانتظار ظروف سياسية أفضل.
- اختراق دبلوماسي: ضغط دولي متزايد + اصطفاف أوروبي واسع + تفعيل عناصر إعلان نيويورك (تفويض + دعوة رسمية من السلطة) → إطلاق بعثة انتقالية بمهام حماية/مراقبة/دعم أمني.
سابعًا: مؤشرات المتابعة (Early Warning)
- مشروع قرار فرنسي/أوروبي في مجلس الأمن يتبنّى حرفيًا بنود “إعلان نيويورك” بشأن البعثة.
- تصريحات أمريكية تُخفّف من نزعة الفيتو أو تطرح صيغة تفويض مخفّفة.
- إشارات قبول/رفض إسرائيلية صريحة لفكرة قوة دولية داخل غزة.
- رسالة رسمية من السلطة الفلسطينية تطلب البعثة (شرط مسبق في الإعلان).
- تعهدات قوات وتمويل من دول موقّعة على إعلان نيويورك.
ثامنًا: دلالات وسياسات مُقترحة
- للأطراف العربية والفلسطينية: الاستثمار في بنية “الدعوة الرسمية” للبعثة ضمن إطار إعلان نيويورك، وتحويلها إلى ملف تفاوضي محدّد (تفويض، قواعد اشتباك، مناطق انتشار، آليات تسليم/تسلم أمنية).
- للأوروبيين: توحيد خطاب سياسي حول وقف فوري ودائم لإطلاق النار مقرون بخطوات عملية (تعهدات قوات/تمويل، حماية الصحفيين والممرات الإنسانية). المواقف الهولندية والسلوفينية مؤشر لقاعدة يمكن البناء عليها.
- للمنظمات الحقوقية والإعلامية: دفعٌ متوازٍ لملف حماية المدنيين والصحفيين كجزء من ولاية البعثة، وربط التفويض بآليات رصد ومساءلة قابلة للتفعيل بسرعة.
الخلاصة
مبادرة ماكرون ليست مجرد تصريح؛ بل محاولة لترجمة “إعلان نيويورك” إلى هندسة أمنية على الأرض. إلا أن طريقها يمرّ عبر حقل ألغام سياسي اسمه مجلس الأمن واصطفافات الحرب. بدون تفويض قوي وقبول محلي وإقليمي، ستبقى “بعثة الاستقرار” فكرة ضغط أكثر منها حلًا عملياتيًا. لكن إن تراكمت الضغوط وظهرت نوافذ تفاهم، فقد تصبح البعثة إطارًا انتقالياً يوقف الحرب ويعيد بناء منظومة أمنية/مدنية بقيادة السلطة الفلسطينية—وهو بالضبط ما يستهدفه النص المرجعي في إعلان نيويورك.







