من التحالف إلى الخيانة: كيف يخدم الدور الإماراتي في اليمن مشروع التطبيع وحماية الاحتلال في البحر الأحمر؟

يشهد اليمن أخطر تحول سياسي–عسكري منذ توقيع الهدنة الهشة قبل أكثر من ثلاث سنوات، في ظل تصاعد الدور الإماراتي في الجنوب، وانتقاله من موقع “الشريك في التحالف” إلى لاعب منفرد يسعى لفرض مشروع تقسيم فعلي، يتقاطع في جوهره مع مسارات إقليمية أوسع، أبرزها التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي وتأمين مصالحه الاستراتيجية في البحر الأحمر.
تحليل مطوّل نشره معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى حذّر من أن تحركات ميليشيات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة إماراتياً في محافظتي حضرموت والمهرة لا يمكن فصلها عن مشروع طويل الأمد لإعادة رسم خريطة اليمن، حتى لو كان الثمن إعادة إشعال الحرب وتمكين جماعة الحوثي. واعتبر المعهد أن ما يجري يمثل انتقالاً واضحاً من منطق “مواجهة الحوثيين” إلى منطق السيطرة على الجغرافيا والموارد وخطوط الملاحة.
مشروع التقسيم المقنّع
منذ سنوات، عملت الإمارات العربية المتحدة على بناء شبكة عسكرية وأمنية موازية للدولة اليمنية، عبر تمويل وتسليح تشكيلات محلية تدين لها بالولاء المباشر. الهدف، وفق التحليل، لم يكن فقط محاربة الحوثيين، بل التحكم بالموانئ والسواحل وخطوط الطاقة، وتحويل الجنوب إلى كيان شبه مستقل يخضع لإدارة أمنية–سياسية مرتبطة بأبوظبي.
السيطرة السريعة على حضرموت والمهرة – من دون مقاومة تُذكر من القوات الحكومية – كشفت حجم الاختراق الذي حققته الإمارات داخل بنية “الشرعية”. فبدلاً من دعم مؤسسات الدولة، جرى تفريغها من مضمونها، وتركها عاجزة عن الدفاع عن أراضيها، تمهيداً لتقديم “المجلس الانتقالي” كبديل جاهز للحكم في الجنوب.
وتكتسب حضرموت أهمية مضاعفة، ليس فقط لثروتها النفطية، بل لموقعها الجغرافي المطل على طرق الإمداد البرية والبحرية. ورغم هويتها المحلية الخاصة ورفض قطاعات واسعة من أبنائها للمشروع الانفصالي، تُستخدم اليوم كغنيمة سياسية واقتصادية تمثل العمود الفقري لأي كيان جنوبي مفصول عن بقية اليمن.
تصادم المصالح مع السعودية
على عكس الرواية التي حاولت تصوير ما يجري بوصفه ثمرة تفاهم سعودي–إماراتي، يرى التحليل أن التطورات الأخيرة كشفت تصدعاً عميقاً داخل التحالف. السعودية تنظر إلى حضرموت والمهرة باعتبارهما عمقاً أمنياً وحدوداً لا يمكن التفريط بها، بينما تتعامل الإمارات مع الجنوب كساحة نفوذ مفتوحة لمشاريعها الإقليمية.
إصرار “المجلس الانتقالي” على تحدي مطالب الرياض بالانسحاب، وتهديد الهدنة، يضع السعودية أمام معضلة حقيقية: القبول بأمر واقع يضع حدودها الشرقية تحت سيطرة قوة موالية لأبوظبي، أو الدخول في مواجهة غير مباشرة مع حليف الأمس. وفي كلتا الحالتين، يدفع اليمنيون ثمن صراع المصالح.
خدمة غير مباشرة للاحتلال
الأخطر، بحسب التحليل، أن السلوك الإماراتي الذي يُسوّق تحت شعار “محاربة الحوثيين” يصب عملياً في مصلحة الحوثي، وفي الوقت ذاته يخدم أهداف إسرائيل في البحر الأحمر. فمع انشغال القوى المناهضة للحوثيين بصراعات داخلية في الجنوب، تتاح للجماعة فرصة ذهبية لإعادة التموضع وتهديد مأرب وحقول النفط.
في المقابل، تسعى الإمارات – في إطار علاقاتها المتنامية مع الاحتلال بعد التطبيع – إلى تأمين الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها البحر الأحمر وباب المندب، واحتواء هجمات الحوثيين التي تُقلق تل أبيب وشركاءها الغربيين. بهذا المعنى، تتحول اليمن إلى ساحة لتقاطع المصالح: تفكيك داخلي يضعف الدولة، مقابل ترتيبات أمنية إقليمية تحمي الملاحة المرتبطة بالاحتلال.
شماعة “مكافحة الإرهاب”
يحذّر التحليل من أن الإمارات و”المجلس الانتقالي” يبرران تحركاتهما عبر شيطنة الخصوم السياسيين، خصوصاً حزب الإصلاح، ووصمه بالإرهاب أو تسهيل نشاط القاعدة. هذه الرواية، التي تجد صدى لدى بعض الدوائر الغربية، تُستخدم كغطاء لتصفية حسابات سياسية، لا كجزء من استراتيجية حقيقية لمكافحة التطرف.
الواقع، وفق المعهد، أن زعزعة الاستقرار في حضرموت والمهرة تخلق فراغات أمنية جديدة، وهي البيئة المثالية لعودة التنظيمات المتطرفة، ما يجعل الادعاءات الإماراتية أقرب إلى الدعاية منها إلى الوقائع.
نحو سيناريو خطير
إذا استمر هذا المسار، فإن اليمن يتجه نحو أحد سيناريوهين أحلاهما مرّ: إما حرب جديدة بين حلفاء الأمس، أو إعلان انفصال جنوبي يفتح الباب أمام صراع إقليمي أوسع. وفي كلتا الحالتين، تتكرس صورة الإمارات كفاعل إقليمي يفضّل تفكيك الدول الضعيفة على دعم استقرارها، في انسجام مع سياسات التطبيع وإعادة هندسة المنطقة بما يخدم الاحتلال.
خلاصة القول إن ما يحدث في جنوب اليمن ليس “تصحيحاً للمسار”، بل انحراف خطير عنه. فمشروع التقسيم الذي ترعاه أبوظبي، مهما غُلّف بشعارات الأمن والاستقرار، يهدد بإغراق اليمن في فوضى أطول، ويمنح خصومه الحقيقيين – الحوثيين والاحتلال معاً – فرصة تاريخية لتعزيز نفوذهم على حساب دولة يمنية موحدة وسيادة حقيقية.






