كيف تحاول أبوظبي تبييض خيانة التطبيع عبر حملات النفي؟

كشفت مصادر مطلعة عن صدور توجيهات داخلية من داخل القصر في أبوظبي تدعو إلى تكثيف الخطاب الإعلامي والسياسي الذي ينفي أي صلة بين محمد بن زايد أو نظامه بالمشروع الصهيوني، في خطوة تعكس حالة انزعاج متصاعدة من ترسخ سردية تتحدث عن تشكّل محور إماراتي–إسرائيلي فاعل في المنطقة، في ظل مسار تطبيع متسارع بات يمثل، في نظر كثيرين، خيانة صريحة لقضية فلسطين ومصالح الشعوب العربية.
وبحسب مصادر فإن هذه التوجيهات لا تستهدف مراجعة السياسات أو إعادة النظر في التحالفات القائمة، بل تركز أساسًا على إدارة الصورة الذهنية، عبر ضخ رسائل إعلامية متكررة تنفي الاتهامات وتعيد تأطير التطبيع باعتباره “ضرورة إقليمية” أو “موازنة سياسية” فرضتها التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
إدارة الانطباع بدل تصحيح المسار
تشير المعطيات إلى أن صناع القرار في أبوظبي باتوا أكثر قلقًا من اتساع دائرة الاقتناع الشعبي بوجود تحالف عضوي مع إسرائيل، أكثر من قلقهم من مضمون هذه الاتهامات. ففكرة المحور الإماراتي–الإسرائيلي لم تعد مجرد تحليل سياسي معارض، بل أصبحت توصيفًا حاضرًا بقوة في النقاشات الشعبية والإعلامية عبر المنطقة.
ويرى المصدر أن جوهر المشكلة بالنسبة للقيادة الإماراتية لم يعد في وجود علاقات مع الاحتلال، بل في فقدان القدرة على تسويقها عربيًا، بعد أن تحوّل التطبيع إلى رمز للخيانة السياسية والأخلاقية، خاصة في ظل استمرار المجازر في غزة والانتهاكات اليومية في الضفة الغربية.
لغة النفي بدل مواجهة الوقائع
تعتمد الاستراتيجية الإعلامية الحالية، وفق المصدر، على النفي المطلق والتشكيك في نوايا المنتقدين، بدل الدخول في نقاش موضوعي حول الوقائع. ويتم تصوير المعارضين على أنهم “متطرفون” أو “أدوات لأجندات ظلامية”، في محاولة لعزلهم أخلاقيًا وسياسيًا أمام الرأي العام.
ولا ينخرط الخطاب الرسمي في تفنيد الملفات المتعلقة بالتعاون الأمني أو الاقتصادي أو العسكري مع إسرائيل، بل يركز على تفكيك الصورة العامة وإغراق الفضاء الإعلامي بسرديات دفاعية فضفاضة، تتحدث عن “السلام” و”الاستقرار” و”حماية المصالح”، دون تقديم أي تفسير حقيقي للتكلفة الإنسانية والسياسية لهذه الخيارات.
تطبيع مغطى بشعارات براغماتية
يرى مراقبون أن التعاون مع إسرائيل، خاصة في ظل الحرب المستمرة على غزة، يُعاد تقديمه في الخطاب الإماراتي ضمن إطار “البراغماتية السياسية” و”الواقعية الاستراتيجية”، مع تجاهل تام لنتائج هذا التعاون على الشعب الفلسطيني.
ويتم فصل النتائج الكارثية للاحتلال عن أسبابها السياسية، عبر معالجة لغوية تسعى إلى تخفيف العبء الأخلاقي عن أبوظبي، وتقديم التطبيع باعتباره خيارًا تقنيًا لا يحمل أي أبعاد قيمية، في تجاهل واضح لحقيقة أنه يمثل انحيازًا مباشرًا إلى جانب المعتدي.
تجاهل الملفات الحساسة
يشير المصدر إلى أن الخطاب المتداول يتجنب الخوض في ملفات عملية حساسة، مثل التنسيق الأمني، والاستثمارات المشتركة، والدعم السياسي المتبادل في المحافل الدولية، والدور الإماراتي في تلميع صورة الاحتلال عالميًا.
وبدلًا من ذلك، يتم استدعاء مفردات القانون الدولي وحقوق الإنسان بصورة انتقائية، تُستخدم فقط عندما تخدم السردية الرسمية، بينما يتم تجاهل كل ما يكشف عمق الشراكة مع إسرائيل.
شبكة ترويج موحدة
تتم عملية توزيع الرسائل الإعلامية، وفق المصدر، عبر شبكة واسعة من الحسابات والمنصات والمواقع والصحف، التي تبدو متعددة في الشكل والهوية، لكنها تكرر الرسالة نفسها بالحرف تقريبًا.
ويشارك في هذه العملية باحثون وكتّاب ومعلقون محسوبون على النظام، يروّجون سردية موحدة، فيما يصفه مراقبون بأنه “تعدد شكلي ومحتوى واحد”، وهي تقنية معروفة في إدارة الأزمات السياسية عندما يكون الهدف امتصاص الغضب الشعبي وتقليل الضغط الدولي.
القلق من ترسخ صورة الخيانة
يرى محللون أن تكثيف خطاب النفي في هذه المرحلة يعكس قلقًا حقيقيًا داخل دوائر الحكم من تحوّل توصيف “التطبيع والخيانة” إلى حقيقة سياسية راسخة في الوعي العربي.
فالإفراط في الدفاع، وفق هذه القراءة، ليس دليل قوة، بل مؤشر ضعف وخشية من فقدان السيطرة على السردية العامة. وكلما ارتفع منسوب النفي، دلّ ذلك على أن الوقائع باتت أقوى من محاولات التجميل الإعلامي.
وقائع أقوى من الدعاية
هذه اللغة ليست سوى حاجز مؤقت، بينما تستمر الوقائع في تشكيل صورة مغايرة على الأرض. فالعلاقات مع الاحتلال تتوسع، والتنسيق يتعمق، والاستثمارات تتضاعف، في وقت يتواصل فيه نزيف الدم الفلسطيني.
ويقول أحد المحللين: “المشكلة لم تعد في الاتهامات، بل في تراكم المؤشرات التي تجعل الخيانة السياسية حقيقة ملموسة لا يمكن إنكارها”.
كما يربط منتقدون بين هذا الخطاب وملفات إقليمية أخرى، مثل السودان واليمن وليبيا، معتبرين أن السياسات الإماراتية هناك تخدم مشروع نفوذ إقليمي مرتبط بتحالفات دولية وإسرائيلية، يُسوَّق له تحت عناوين الاستقرار والتنمية.
معركة وعي لا معركة مبادئ
يرى مراقبون أن الرهان الأساسي لأبوظبي يتمثل في السيطرة على الوعي العام، لا في تغيير السياسات. فالمعركة الحقيقية ليست حول فلسطين أو العدالة أو السيادة، بل حول من يملك الرواية الأقوى في الفضاء الإعلامي.
وبينما تحاول اللغة الرسمية إعادة صياغة الصورة، لكن الوقائع الميدانية ستظل العامل الحاسم في تشكيل الإدراك الشعبي، مهما تصاعدت حملات النفي، ومهما تغيّرت أدوات الخطاب.
وفي نهاية المطاف، تبدو محاولات تبييض التطبيع وكأنها اعتراف غير مباشر بأن خيار الخيانة السياسية بات عبئًا يصعب الدفاع عنه، مهما تكاثرت حملات الإنكار والتبرير.






