فضائح التطبيع: كيف مهّد جيفري إبستين لاتفاقيات الخيانة الإماراتية مع الاحتلال؟

لم يكن التقارب الإماراتي–الإسرائيلي وليد لحظة سياسية عابرة، ولا نتيجة “تحولات إقليمية” كما حاولت أبوظبي تسويقه لاحقًا، بل جاء ثمرة مسار طويل نُسج في الخفاء، قاده وسطاء مشبوهون وشبكات مصالح مظلمة، في مقدمتها الملياردير الأميركي الراحل جيفري إبستين، الذي تحوّل إلى جسر سري بين أبوظبي وتل أبيب قبل أكثر من عقد من “اتفاقيات أبراهام”.
الوثائق والمراسلات التي كُشف عنها مؤخرًا تؤكد أن التطبيع لم يكن قرارًا سياديًا شفافًا، بل مشروعًا تم بناؤه عبر المال، والصفقات الأمنية، وشبكات النفوذ والابتزاز، بعيدًا عن إرادة الشعوب العربية ومصالح القضية الفلسطينية.
تحالف الظل: إبستين وموانئ دبي وصناعة النفوذ
تكشف المراسلات منذ منتصف العقد الأول من الألفية عن علاقة وثيقة بين إبستين ورئيس شركة موانئ دبي العالمية، سلطان أحمد بن سليم. لم تكن العلاقة استشارية عابرة، بل شراكة شخصية سمحت لإبستين بالتغلغل داخل دوائر القرار الاقتصادي في دبي.
في رسائل خاصة تعود إلى عام 2007، عبّر إبستين عن مستوى غير مسبوق من القرب والثقة، مؤكدًا أنه بات شريكًا غير معلن في إدارة ملفات حساسة تتعلق بالموانئ والاستثمارات الخارجية، لا سيما في القرن الأفريقي.
هذا النفوذ مكّنه من لعب دور “وسيط علاقات” بين النخبة الإماراتية وشبكات المال والسياسة الغربية، خصوصًا في واشنطن وتل أبيب، مقدمًا نفسه كضامن لعلاقات سرية تُدار خارج الأطر الدبلوماسية الرسمية.
الأخطر أن هذه العلاقة استمرت حتى بعد إدانة إبستين في قضايا استغلال القاصرات عام 2008، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة المعايير الأخلاقية التي حكمت صناع القرار في أبوظبي.
البوابة الإسرائيلية: باراك والتكنولوجيا الأمنية
لم يقتصر دور إبستين على الوساطة الاقتصادية، بل امتد إلى الربط المباشر بين النخبة الإماراتية ودوائر القرار في الاحتلال الإسرائيلي، وعلى رأسها رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك.
في رسالة تعود إلى عام 2013، دعا إبستين باراك إلى لقاء بن سليم، معتبرًا أن هذا التواصل “استراتيجي” لمستقبل التعاون بين الطرفين. وبالفعل، جرى عقد لقاءات ناقشت مشاريع مشتركة في مجال الموانئ والبنية التحتية، قبل سنوات من الإعلان الرسمي عن أي علاقات.
في السياق ذاته، برز دور شركة Carbyne للأمن السيبراني، التي موّلها إبستين وترأسها باراك، كنقطة التقاء بين المصالح الأمنية الإسرائيلية والاستثمارات الخليجية.
لاحقًا، دخلت الإمارات بقوة في هذا المجال، وبدأت بتبنّي أنظمة إسرائيلية في إدارة الطوارئ وأمن الموانئ، ما يعني أن الاختراق الأمني سبق التطبيع السياسي، وتم تمريره تحت عناوين “الابتكار” و“التحول الرقمي”.
اتفاقيات أبراهام: تتويج لمسار سري طويل
عندما أُعلن عن اتفاقيات أبراهام عام 2020، جرى تقديمها كـ”اختراق دبلوماسي تاريخي”، بينما كانت في الواقع تتويجًا لمسار خفي امتد أكثر من 15 عامًا.
ما كُشف من وثائق يؤكد أن التعاون الاقتصادي والأمني والاستخباراتي كان قائمًا بالفعل، وأن الاتفاقيات لم تكن سوى غطاء قانوني لتطبيع مكتمل الأركان، تم بناؤه عبر وسطاء من طراز إبستين، بعيدًا عن أي مساءلة شعبية أو برلمانية.
بهذا المعنى، لم تكن الاتفاقيات بداية العلاقة، بل إعلانًا متأخرًا عنها، ومحاولة لإضفاء “شرعية سياسية” على شبكة مصالح غير نظيفة.
إرث الابتزاز: التطبيع كمنظومة خضوع
الأخطر في قصة إبستين أنه لم يكن مجرد سمسار علاقات، بل لاعبًا في منظومة ابتزاز دولية. فقد دأب على التفاخر بامتلاكه “أسرارًا حساسة” عن شركائه، وصورًا ومراسلات يمكن استخدامها كورقة ضغط.
هذا المعطى يضع الإمارات في موقع المتورط لا الضحية، إذ قبلت الانخراط في شبكة يقودها شخص متهم بالاتجار بالأطفال، مقابل مكاسب سياسية وأمنية واقتصادية.
اليوم، ومع تدفق الاستثمارات الإماراتية إلى قطاعي الدفاع والتكنولوجيا في إسرائيل، يتضح أن إرث إبستين كان تأسيسيًا، إذ وضع القنوات، ورسم المسارات، وكرّس منطق أن المال والأمن يسبقان القيم والمبادئ.
تطبيع بلا شرعية… وخيانة بلا تبرير
تكشف هذه القصة أن التطبيع الإماراتي لم يكن خيارًا سياديًا مستقلًا، بل نتاج علاقات مظلمة نسجها سماسرة فضائح وابتزاز، وانتهت بتحويل أبوظبي إلى شريك في مشروع يخدم الاحتلال على حساب الشعوب العربية.
اتفاقيات التطبيع، في هذا السياق، ليست “سلامًا”، بل خيانة سياسية وأخلاقية للشعب الفلسطيني، وطعنة في ظهر الإجماع العربي، وتكريس لمنطق المصالح الضيقة فوق حقوق الشعوب.
وفي مشهد كهذا، لا تبدو الإمارات لاعبًا متكافئًا، بل حلقة في شبكة صاغت خطوطها تل أبيب في الظل، وكان جيفري إبستين أحد أبرز مهندسيها.







