عيسى كاظم.. مهندس التطبيع الجديد ومهمة تبييض سمعة موانئ دبي بعد فضائح إبستين

في توقيت بالغ الحساسية، أعلن مجلس إدارة موانئ دبي العالمية تعيين عيسى كاظم رئيسًا لمجلس إدارة الشركة، خلفًا لسلطان أحمد بن سليم، في خطوة بدت أقرب إلى محاولة إنقاذ سياسي واقتصادي منها إلى مجرد تغيير إداري روتيني. القرار جاء في ذروة تداعيات التسريبات المرتبطة بعلاقة بن سليم بالمموّل الأميركي الراحل جيفري إبستين، والتي هزّت صورة واحدة من أهم الشركات اللوجستية في العالم، ووضعت الإمارات تحت مجهر رقابي دولي غير مسبوق.
ولم يكتفِ المجلس بتغيير الرئيس، بل أعلن أيضًا تعيين يوفراج نارايان رئيسًا تنفيذيًا، في مسعى واضح لاحتواء الصدمة، وامتصاص غضب المستثمرين، وطمأنة المؤسسات المالية العالمية التي بدأت تعيد حساباتها بشأن التعامل مع الشركة.
من المال إلى الموانئ.. مسيرة داخل دوائر السلطة
يُقدَّم عيسى كاظم إعلاميًا بوصفه “رجل المرحلة” و”صاحب الخبرة المالية”، لكن قراءة مسيرته تكشف عن ارتباط عضوي بمنظومة السلطة الاقتصادية في دبي. بدأ عمله في مصرف الإمارات المركزي أواخر الثمانينيات، ثم انتقل إلى دائرة التنمية الاقتصادية، قبل أن يتسلّم إدارة سوق دبي المالي، ويقوده لاحقًا لأكثر من عقد.
خلال تلك السنوات، تحوّل كاظم إلى أحد أبرز مهندسي ربط الاقتصاد المحلي برؤوس الأموال العالمية، وفق نموذج قائم على الانفتاح غير المشروط، وتقديم التسهيلات للشركات الكبرى، دون شفافية حقيقية أو رقابة صارمة.
لاحقًا، تولّى منصب محافظ مركز دبي المالي العالمي، أحد أكثر الكيانات إثارة للجدل في المنطقة، بسبب تكرار الاتهامات الدولية له بالتساهل مع أنشطة مالية مشبوهة، واحتضان شركات واجهة يُشتبه باستخدامها في غسل الأموال والتهرب الضريبي.
التطبيع الاقتصادي.. الدور الخفي والمعلن
لم يبرز اسم عيسى كاظم سياسيًا إلا بعد توقيع اتفاقيات التطبيع بين الإمارات وإسرائيل عام 2020. فبصفته محافظًا لمركز دبي المالي العالمي، كان من أوائل من فتحوا الأبواب رسميًا أمام الشركات الإسرائيلية، ونظّم فعاليات اقتصادية في تل أبيب، استهدفت دمج الاقتصاد الإسرائيلي في شبكات المال والاستثمار الخليجية.
واحدة من أبرز هذه الفعاليات كانت بعنوان “Growth Opportunities in MEASA for Israeli Tech Companies”، والتي مثّلت رسالة واضحة: دبي ستكون بوابة إسرائيل الاقتصادية نحو الشرق الأوسط وأفريقيا.
لم يكن هذا مجرد تعاون تجاري، بل جزءًا من مشروع سياسي متكامل لتكريس التطبيع عبر المال والاستثمار، وتحويله إلى واقع يومي يصعب التراجع عنه. وهنا، لعب كاظم دور “الوسيط الناعم” الذي يمرر العلاقات الجديدة تحت غطاء الاقتصاد والتنمية، بعيدًا عن أي نقاش أخلاقي أو سياسي حول الاحتلال وجرائم الحرب.
إرث إبستين.. الملف الذي يطارد القيادة الجديدة
تعيين كاظم لم يأتِ في فراغ، بل في ظل تصاعد تداعيات الوثائق التي نشرتها وزارة العدل الأميركية بشأن شبكة علاقات إبستين. هذه الوثائق كشفت عن مراسلات متكررة بينه وبين سلطان بن سليم، وعن دور محتمل في ترتيب قنوات تواصل سرية بين مسؤولين إماراتيين وإسرائيليين قبل التطبيع الرسمي.
تقارير صحفية، بينها تحقيق لموقع Drop Site News، تحدثت عن وساطة إبستين في لقاءات جمعت إيهود باراك وبن سليم، في سياق ترتيبات اقتصادية مبكرة. كما أظهرت الرسائل حجم النفوذ الذي كان يتمتع به داخل دوائر القرار في دبي.
ورغم عدم توجيه اتهامات قانونية مباشرة، فإن حجم العلاقة وطبيعتها يطرحان أسئلة ثقيلة حول منظومة الحكم والشفافية داخل موانئ دبي، ومدى استقلال قراراتها عن شبكات المصالح المشبوهة.
ضغوط دولية وانسحابات استثمارية
لم تمرّ الفضيحة دون ثمن. فقد علّق صندوق التقاعد الحكومي في كيبيك والمؤسسة البريطانية للاستثمار الدولي استثماراتهما مع الشركة، في إشارة خطيرة إلى تراجع الثقة الدولية.
صندوق “لا كايس” الكندي، الذي يدير أصولًا بنحو 366 مليار دولار، طالب بتوضيحات وإجراءات إصلاح حقيقية، مؤكدًا أن استمرار الغموض سيقوّض العلاقة مع الشركة.
هذه التطورات جعلت تعيين كاظم يبدو كخطوة علاقات عامة، هدفها إقناع المستثمرين بأن “المرحلة السوداء انتهت”، دون تقديم ضمانات حقيقية.
هل هو إصلاح أم إعادة تدوير للأزمة؟
السؤال الجوهري اليوم ليس من هو عيسى كاظم، بل: ماذا يمثل؟ هل هو قطيعة مع مرحلة الفضائح؟ أم امتداد لنفس المنظومة التي صنعت الأزمة؟
حتى الآن، كل المؤشرات ترجّح الخيار الثاني. فالرجل جزء أصيل من شبكة الحكم الاقتصادي في دبي، وكان شريكًا في هندسة التطبيع، وتوسيع النفوذ المالي دون محاسبة. لم يُعرف عنه يومًا موقف نقدي، أو مطالبة بالشفافية، أو مواجهة للفساد البنيوي.
تعيينه يبدو أقرب إلى عملية “تدوير للنخبة” منها إلى إصلاح حقيقي. تغيير الوجوه، مع بقاء السياسات ذاتها: تطبيع بلا ضوابط، انفتاح بلا رقابة، واستثمارات بلا مساءلة.
مرحلة اختبار حقيقي
يدخل عيسى كاظم منصبه الجديد محمّلًا بملف ثقيل من الشبهات والضغوط. وسيُختبر سريعًا: هل يفتح ملفات الماضي؟ هل يفرض معايير حوكمة فعلية؟ أم يكتفي بتلميع الصورة وتقديم واجهة جديدة لمنظومة قديمة؟
حتى الآن، لا شيء يوحي بأن الرجل مستعد لمواجهة هذا الإرث. بل يبدو أن مهمته الأساسية هي حماية النظام الاقتصادي والسياسي الذي صنعه، مهما كانت كلفته الأخلاقية والإنسانية.
وبين فضائح إبستين، وتوسّع التطبيع، وتراجع الثقة الدولية، تقف موانئ دبي اليوم أمام مفترق طرق: إما إصلاح جذري حقيقي، أو استمرار في سياسة الهروب إلى الأمام… بقيادة وجه جديد، بعقلية قديمة.







