عبدالله بن زايد في واشنطن: خطاب “مكافحة التطرف” غطاء لتطبيع الإمارات مع الاحتلال

في زيارة تحمل أبعادًا سياسية تتجاوز مضمونها المعلن، التقى وزير الخارجية الإماراتي عبدالله بن زايد آل نهيان في واشنطن بالمبعوث الأميركي الخاص لمراقبة ومكافحة معاداة السامية، في لقاء رُوّج له رسميًا باعتباره خطوة لتعزيز “الحوار والتسامح ومواجهة خطاب الكراهية”. غير أن قراءة أعمق للسياق السياسي تكشف أن هذه الزيارة تندرج ضمن مسار أوسع يوظّف عناوين مكافحة التطرف لتكريس التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، وتوسيع خطاب الإسلاموفوبيا في الفضاء الغربي.

“التسامح” كواجهة دبلوماسية جديدة

وفق البيانات الرسمية، ناقش الطرفان سبل تعزيز ثقافة التعايش ومواجهة التطرف، في انسجام ظاهري مع الخطاب الإماراتي المتكرر حول “نشر الاعتدال”. وجاء اللقاء بعد أسابيع من إعلان أبوظبي تعيين مسؤول رسمي جديد تحت مسمى “مكافحة التطرف”، في خطوة رُوّج لها كامتداد لسياسة الدولة في محاربة الكراهية.

لكن منظمات حقوقية ومراقبين سياسيين يرون في هذه الخطوات إعادة إنتاج لأدوات سياسية ناعمة، تُستخدم لضبط الخطاب الديني والسياسي بما يخدم أولويات التحالفات الخارجية، لا سيما مع الولايات المتحدة وإسرائيل، مع إعادة تعريف “التطرف” بطريقة تستهدف الخصوم والمعارضين.

إعادة هندسة مفهوم “التشدد”

لا تخوض الإمارات، وفق هذا المنظور، معركة متوازنة ضد جميع أشكال الكراهية، بل تعيد هندسة المفاهيم بما يخدم اصطفافها الإقليمي والدولي. فالتشدد، في الخطاب الرسمي، لا يُقاس بسلوك الدولة أو ممارساتها القمعية، بل يُربط أساسًا بأي خطاب سياسي أو ديني ينتقد السياسات الإقليمية أو يعارض مسار التطبيع.

وهكذا تتحول “مكافحة التطرف” من مفهوم إنساني شامل إلى أداة سياسية وظيفية، تُستخدم لتجريم روايات بديلة، وإقصاء أصوات ناقدة، وتهميش قضايا عادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

التطبيع بعد 2020: من الاقتصاد إلى إعادة تشكيل الوعي

منذ توقيع اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل عام 2020، لم يعد الدور الإماراتي مقتصرًا على التعاون الاقتصادي أو الأمني مع تل أبيب، بل تطور إلى تنسيق سياسي وإعلامي وثقافي، يستهدف إعادة صياغة صورة الصراع في الوعي الغربي.

وقد شمل هذا المسار دعم منصات بحثية وإعلامية ومراكز ضغط تعمل على ربط الإسلام السياسي، وأحيانًا الإسلام كدين، بمفاهيم العنف والتطرف، في خطاب ينسجم عضوياً مع الأجندة الإسرائيلية الساعية لتبرير سياساتها القمعية ضد الفلسطينيين.

الإسلاموفوبيا كشريك خفي في التحالف

تشير متابعات بحثية وتقارير إعلامية إلى أن الإمارات لعبت دورًا مباشرًا أو غير مباشر في تعزيز خطاب الإسلاموفوبيا في أوروبا والولايات المتحدة، عبر شبكات تمويل وضغط وعلاقات عامة.

هذا الخطاب لا يكتفي باستهداف تيارات سياسية بعينها، بل يوسّع دائرة الشبهة لتشمل مظاهر التدين والتضامن مع فلسطين، ويحوّل أي مقاومة أو انتقاد للاحتلال إلى “تهديد أمني” أو “تطرف محتمل”، بما يخدم السردية الإسرائيلية.

معاداة السامية أم تجريم التضامن مع فلسطين؟

يثير لقاء عبدالله بن زايد مع المبعوث الأميركي لمكافحة معاداة السامية تساؤلات جدية حول الخلط المتعمد بين محاربة العنصرية ضد اليهود، وهي قضية مبدئية وأخلاقية، وبين تجريم النقد السياسي لإسرائيل أو وصم التضامن مع الفلسطينيين بخطاب الكراهية.

ففي كثير من الحالات، يُستخدم هذا العنوان لشيطنة النشطاء، وتقييد حرية التعبير، وملاحقة الأصوات المناصرة للحقوق الفلسطينية، في إطار حملة أوسع لإعادة تعريف “الضحية” و”الجلاد” بما يخدم التحالفات القائمة.

تصريح نتنياهو واختلال ميزان العلاقة

لم يعد هذا المسار مجرد استنتاج تحليلي، بل بات يُقال علنًا. فقد صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤخرًا بأن رئيس دولة الإمارات “نفّذ كل ما طُلب منه وأكثر”، في إشارة صريحة إلى مستوى التنسيق السياسي والاستراتيجي بين الطرفين.

يعكس هذا التصريح اختلال ميزان العلاقة، ويؤكد أن خطاب “التعايش” يُستخدم كغطاء ناعم لتحالفات صلبة، لا تعير وزنًا حقيقيًا لحقوق الإنسان أو عدالة القضايا.

تناقض الخطاب الخارجي والممارسة الداخلية

في الوقت الذي تكثّف فيه الإمارات لقاءاتها في واشنطن وعواصم الغرب تحت عناوين التسامح، تستمر داخليًا في تجريم المعارضة السلمية، وتقييد الحريات، وملاحقة الأصوات المستقلة، في تناقض صارخ بين الخطاب الخارجي والممارسة الواقعية.

ويؤكد مراقبون أن هذا التناقض يقوّض مصداقية أي حديث عن الاعتدال، ويحوّل “القيم الإنسانية” إلى أدوات علاقات عامة لا أكثر.

قيم إنسانية أم أدوات جيوسياسية؟

يرى محللون أن مكافحة الكراهية لا يمكن أن تكون انتقائية، ولا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لتبييض التحالفات أو إعادة هندسة الوعي السياسي. فالتسامح الحقيقي لا يُبنى في الغرف المغلقة، ولا عبر تنسيق أمني وإعلامي، بل عبر احترام الحقوق، ووقف التحريض بجميع أشكاله، وعدم استخدام القيم الأخلاقية كسلاح جيوسياسي.

وفي غياب هذا الأساس، سيبقى خطاب “التعايش” الذي ترفعه أبوظبي مجرد شعار دبلوماسي أنيق، يخفي وراءه مشروعًا سياسيًا يهدف إلى ترسيخ التطبيع مع الاحتلال، وتوسيع دوائر الإسلاموفوبيا، وتهميش القضايا العادلة تحت عناوين براقة لا تصمد أمام اختبار الواقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى