زيارة مرتقبة لرئيس “أرض الصومال” إلى إسرائيل.. والإمارات “مهندس” التطبيع في المنطقة

أثار إعلان هيئة البث الإسرائيلية عزم رئيس إقليم “أرض الصومال” الانفصالي عبد الرحمن عرو زيارة إسرائيل خلال الشهر المقبل موجة واسعة من الجدل السياسي، خاصة أنه يأتي بعد خطوة غير مسبوقة أعلنت فيها تل أبيب “الاعتراف الرسمي” بالإقليم بوصفه دولة مستقلة ذات سيادة. هذه الخطوة جعلت إسرائيل –وفق التصريحات الرسمية– الدولة الوحيدة في العالم التي تمنح الإقليم الانفصالي اعترافًا، في تحدٍ واضح للإجماع الدولي الذي لا يزال يعتبر “أرض الصومال” جزءًا لا يتجزأ من الدولة الصومالية.
الزيارة المرتقبة، إن تمت، لن تكون مجرد حدث بروتوكولي، بل تمثل انتقالًا من مرحلة الاتصالات غير المعلنة إلى التطبيع العلني، وهو ما يضع الإقليم في قلب صراع إقليمي ودولي معقّد، تتقاطع فيه حسابات الاحتلال الإسرائيلي، وطموحات قوى إقليمية فاعلة، وعلى رأسها دولة الإمارات.
موقف مقديشو ورفض المسار الإسرائيلي
في مواجهة هذه التطورات، شدد الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود على أن “لا توجد أي دولة اعترفت بأرض الصومال”، معتبرًا أن الخطوة الإسرائيلية قفزت على مسار سياسي ظل جامدًا لعقود. وأكد أن الحكومة الصومالية تسعى إلى توحيد البلاد بوسائل سلمية، وأنه لا توجد أزمة داخلية تبرر لجوء الإقليم إلى إسرائيل أو فتح قنوات تطبيع معها.
كما أعلنت مقديشو التزامها المطلق وغير القابل للتفاوض بوحدة الأراضي الصومالية، ورفضها القاطع لما وصفته بالخطوة غير القانونية التي اتخذتها إسرائيل، معتبرة الاعتراف انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي ومحاولة لفرض أمر واقع جديد في منطقة شديدة الحساسية.
أرض الصومال.. كيان أمر واقع بلا شرعية دولية
ومنذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991، يتصرف إقليم أرض الصومال ككيان مستقل إداريًا وسياسيًا وأمنيًا، مستفيدًا من ضعف الدولة المركزية في مقديشو. ورغم نجاحه النسبي في بناء مؤسسات محلية مستقرة مقارنة ببقية الصومال، فإنه فشل على مدار أكثر من ثلاثة عقود في انتزاع اعتراف دولي، وبقي خارج المنظومة القانونية الدولية.
هذا الفراغ في الشرعية هو ما يجعل الإقليم هدفًا سهلًا لمشاريع التوظيف السياسي، حيث يُغرى قادته بالاعتراف والدعم الخارجي مقابل الانخراط في تحالفات إقليمية مثيرة للجدل، وفي مقدمتها مسار التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي.
إسرائيل والقرن الأفريقي.. حسابات النفوذ والممرات المائية
التحرك الإسرائيلي نحو “أرض الصومال” لا ينفصل عن استراتيجية أوسع لتوسيع النفوذ في القرن الأفريقي، وهي منطقة تطل على ممرات مائية استراتيجية مثل باب المندب وخليج عدن. وتسعى تل أبيب من خلال هذا التمدد إلى تعزيز حضورها الأمني والاستخباراتي قرب طرق التجارة الدولية، وخلق نقاط ارتكاز جديدة خارج محيطها التقليدي.
في هذا السياق، تمثل زيارة رئيس الإقليم لتل أبيب محاولة لمنح الاعتراف الإسرائيلي غطاءً سياسيًا متبادلًا، وتقديمه كعلاقة “بين دولتين”، رغم غياب أي أساس قانوني دولي يدعم هذا الادعاء.
الإمارات.. مهندس التطبيع في المنطقة
لا يمكن فهم هذا المسار دون التوقف عند دور الإمارات العربية المتحدة، التي برزت خلال السنوات الأخيرة كأحد أبرز رعاة ومهندسي التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة. فمنذ “اتفاقات أبراهام”، لم تكتفِ أبوظبي بتطبيع علاقاتها المباشرة مع إسرائيل، بل لعبت دور الوسيط والدافع لتوسيع دائرة التطبيع، مستخدمة أدوات اقتصادية وسياسية وأمنية.
تجربتا المغرب و**البحرين** تقدمان نموذجًا واضحًا لهذا الدور، حيث جرى ربط التطبيع بحوافز سياسية واستثمارات ووعود بالدعم الدولي. وفي حالة “أرض الصومال”، يتجلى النفوذ الإماراتي عبر حضور اقتصادي وأمني قوي، خاصة في الموانئ والبنية التحتية، ما يمنح أبوظبي قدرة على التأثير في قرارات الإقليم وتوجيه بوصلته نحو تل أبيب.
تداعيات إقليمية ومخاطر مستقبلية
يثير مسار التطبيع بين “أرض الصومال” وإسرائيل مخاوف واسعة من تداعياته على الاستقرار الإقليمي، إذ قد يفتح الباب أمام نزاعات انفصالية جديدة في أفريقيا، ويقوّض مبدأ احترام الحدود الموروثة الذي يتبناه الاتحاد الأفريقي. كما أنه يضع الإقليم في مواجهة مباشرة مع محيطه العربي والإسلامي، ويحوّله إلى ورقة في صراعات نفوذ تتجاوز قدرته على الاحتمال.
في الخلاصة، لا تبدو زيارة رئيس “أرض الصومال” المرتقبة لإسرائيل خطوة معزولة، بل حلقة في مشروع تطبيع أوسع تقوده الإمارات ويهدف إلى شرعنة الاحتلال وتوسيع حضوره الإقليمي. وبينما يُسوَّق هذا المسار تحت عناوين “البراغماتية” و“كسر العزلة”، فإنه يحمل في طياته مخاطر سياسية وقانونية عميقة، قد تجعل التطبيع ثمنًا باهظًا يُدفع على حساب السيادة والاستقرار ووحدة الدول.







