خيانة الإمارات وتوسيع دائرة التطبيع: كيف صُدّرت «اتفاقيات أبراهام» إلى آسيا الوسطى عبر كازاخستان؟

في السنوات الأخيرة، لم تعد الإمارات العربية المتحدة مجرّد دولة عربية موقّعة على «اتفاقيات أبراهام»، بل تحوّلت إلى رأس الحربة في مشروع تصدير التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي خارج محيطه الجغرافي والسياسي التقليدي. ومع انضمام كازاخستان إلى هذا المسار، تتضح ملامح استراتيجية إماراتية أوسع، تقوم على تحويل التطبيع من خطوة مثيرة للجدل إلى «نموذج» قابل للتسويق عالميًا، حتى داخل العالم الإسلامي.

الإمارات: من مطبّع إلى عرّاب إقليمي

منذ توقيعها اتفاقيات التطبيع عام 2020، تعاملت أبو ظبي مع هذه الخطوة بوصفها بداية مشروع، لا نهايته. فالإمارات لم تكتفِ بإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، بل عملت على تقديم نفسها لواشنطن كقوة قادرة على إعادة هندسة الاصطفافات الدولية، وتوسيع دائرة القبول بإسرائيل خارج العالم العربي.

هذا الطموح جعل الإمارات تتحرّك كـ«مقاول سياسي»، يسوّق التطبيع باعتباره بوابة للرضا الأمريكي، والاستثمارات، والحماية السياسية، في مقابل التخلي العملي عن أي التزام أخلاقي تجاه القضية الفلسطينية.


لماذا كازاخستان؟ حسابات بعيدة عن فلسطين

اختيار كازاخستان لم يكن عشوائيًا. فهي دولة غنية بالطاقة، ذات نظام سلطوي يبحث عن الاستقرار بأي ثمن، وعضو في منظمة التعاون الإسلامي، لكنها بعيدة جغرافيًا عن فلسطين، ولا تخضع لضغط شعبي عربي مباشر.

بالنسبة للإمارات، تمثّل كازاخستان فرصة مثالية: دولة مسلمة غير عربية يمكن توظيفها لتقديم التطبيع بوصفه خيارًا «طبيعيًا» داخل العالم الإسلامي، لا خروجًا فاضحًا عن الإجماع التاريخي الداعم لفلسطين.


الاستثمار كسلاح سياسي

تلعب الاستثمارات الإماراتية الدور الأبرز في هذا المسار. فأبو ظبي تُعد من أكبر المستثمرين الأجانب في كازاخستان، وقد شهد النصف الأول من عام 2025 تضاعفًا ملحوظًا في حجم هذه الاستثمارات، خصوصًا في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والعقارات.

هذه الزيادة لم تكن مجرد قرار اقتصادي، بل رسالة سياسية واضحة: الانخراط في مشروع التطبيع يفتح أبواب المال والنفوذ، أما التردد أو الرفض فقد يكلّف خسارة الشراكات والدعم. هكذا تحوّل رأس المال الإماراتي إلى أداة ضغط ناعمة، تُستخدم لدفع دول بعيدة عن فلسطين نحو الاصطفاف مع الاحتلال.


توفير غطاء «إسلامي» للتطبيع

أحد أخطر أبعاد الدور الإماراتي يتمثل في توفير غطاء إسلامي زائف للتطبيع. فبعد أن واجهت اتفاقيات أبراهام رفضًا شعبيًا واسعًا في العالم العربي، تسعى أبو ظبي إلى استقطاب دول مسلمة غير عربية، لإعطاء الانطباع بأن التطبيع لم يعد حكرًا على أنظمة عربية قمعية.

في هذا السياق، تُستخدم كازاخستان كورقة تبرير سياسية وإعلامية، للقول إن التطبيع لم يعد «خيانة عربية»، بل خيارًا دوليًا تتبناه دول إسلامية من خارج الشرق الأوسط.


البعد الأمني: تصدير نموذج القمع

لا يقتصر الدور الإماراتي على الاقتصاد والسياسة، بل يمتد إلى المجال الأمني. فقد بنت أبو ظبي علاقتها مع إسرائيل على أساس التعاون الاستخباراتي والتكنولوجي، وتسعى اليوم لتصدير هذا النموذج إلى حلفائها الجدد.

كازاخستان، التي تمتلك سجلًا حافلًا في قمع الاحتجاجات، لا سيما خلال أحداث يناير 2022 الدامية، ترى في الخبرات الأمنية الإسرائيلية التي روّجت لها الإمارات أداة إضافية لضمان «استقرار النظام»، حتى وإن كان هذا الاستقرار قائمًا على المراقبة والتجسس وقمع الحريات.

وبرنامج التجسس الإسرائيلي «بيغاسوس» ليس تفصيلًا هامشيًا، بل رمز لتحالف أمني قمعي، كانت الإمارات من أوائل مستخدميه ضد معارضيها، وتسعى اليوم لتطبيع استخدامه لدى شركائها.


تعويض الفشل العربي بتوسّع خارجي

سياسيًا، يخدم انضمام كازاخستان حاجة إماراتية ملحّة. فمشروع «أبراهام» بدأ يفقد زخمه داخل العالم العربي، مع تعثّر السودان، وتراجع البحرين تحت ضغط الشارع، ورفض السعودية المضي قدمًا دون ثمن فلسطيني واضح.

أمام هذا الانكماش، تحاول الإمارات إنقاذ المشروع عبر البحث عن «توسّع بديل» في آسيا الوسطى وأفريقيا، حتى لو كان ذلك على حساب توسيع دائرة التطبيع خارج أي سياق إقليمي مباشر للصراع.


الخلاصة: تطبيع يُسوَّق وخيانة تتوسّع

في المحصلة، لا يمكن فهم انضمام كازاخستان إلى اتفاقيات أبراهام بمعزل عن خيانة الإمارات ودورها المحوري في تصدير التطبيع. أبو ظبي لا تكتفي بأن تكون أول المطبعين، بل تصرّ على أن تكون السمسار الأبرز، الذي يربط بين واشنطن وتل أبيب من جهة، ودول تبحث عن الرضا الأمريكي من جهة أخرى.

وفي هذا المشهد، تبقى فلسطين الخاسر الأكبر، بينما يواصل عرّاب التطبيع توسيع دائرته، غير آبه بثمن أخلاقي أو سياسي، في مسار لا يمكن وصفه إلا باعتباره تطبيعًا مُعلّبًا… وخيانة مُصدَّرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى