خطاب الودّ عبر شاشة العدو: حين تختار السلطة مخاطبة الإسرائيليين بدل مساءلة نفسها

أن يخرج أمير سعودي، ورئيس أسبق للاستخبارات، ليخاطب “الشعب الإسرائيلي” عبر صحيفة إسرائيلية، في ذروة حرب إبادة مفتوحة، ليس تفصيلًا بروتوكوليًا ولا زلّة خطابية، بل حدثٌ كاشف لطبيعة المقاربة التي تتبنّاها النخبة الحاكمة تجاه فلسطين وتجاه مجتمعها في آنٍ معًا. اختيار المنبر، وتوقيت الرسائل، وطبيعة اللغة المستخدمة، كلّها عناصر تجعل من هذا الظهور رسالة سياسية مزدوجة: تطمينٌ موجّه للخارج، وتجاوزٌ متعمّد للداخل، وإعادة صياغة للنقاش من سؤال العدالة والجرائم إلى سؤال “الثقة” و“العقلية الحاكمة” داخل الكيان.

من مخاطبة الضحية إلى استرضاء الجلاد

اللافت في حديث تركي بن فيصل ليس فقط مضمونه، بل وجهته. الرجل لم يخاطب الرأي العام العربي، ولم يتوجّه إلى الفلسطينيين الذين يتعرّضون للقتل والتجويع، بل اختار أن يوجّه رسائل مباشرة إلى “الشعب الإسرائيلي”، شارحًا له كيف يمكن للكيان أن “يعيد اكتساب الثقة”، ومقترحًا عليه التفكير في بديل لنتنياهو. هنا ينقلب ميزان الخطاب رأسًا على عقب: بدل أن يُطالَب الاحتلال بوقف الجرائم كشرط أخلاقي وقانوني بديهي، يُقدَّم له دليل إرشادي لتحسين صورته تمهيدًا لقبول إقليمي.

هذا التحوّل لا يمكن قراءته باعتباره رأيًا شخصيًا معزولًا. هو تعبير عن ذهنية سياسية ترى أن المشكلة ليست في بنية الاستعمار ذاته، بل في “العقلية الحاكمة” الحالية، وكأن جرائم غزة والضفة ليست نتاج مشروع استيطاني كامل، بل سوء إدارة من حكومة قابلة للاستبدال. بهذا المنطق، تُنزَع المسؤولية الجماعية عن مجتمع استيطاني داعم للحرب، ويُعاد تعريف الصراع كخلاف تقني قابل للحل عبر صندوق الاقتراع الإسرائيلي.

لغة “المسار”: التلاعب بالمفاهيم بدل الالتزام بالنتائج

حديث تركي بن فيصل عن عدم وجود تناقض بين المطالبة بـ“دولة فلسطينية” والحديث عن “مسار” يكشف جوهر الإشكال. فالمسار، كما يُستخدم في الخطاب السعودي الرسمي وغير الرسمي، تحوّل إلى أداة لغوية لتأجيل الاستحقاق لا لتكريسه. حين يصبح المسار هدفًا بحد ذاته، تُفرَّغ النتيجة من مضمونها، وتتحوّل الدولة الفلسطينية من حقّ سياسي واضح إلى أفق نظري غير مرتبط بزمن ولا بضمانات.

الاستدعاء المتكرر لمبادرة السلام العربية لعام 2002، دون الإشارة إلى كيف انتهكها الكيان على مدار أكثر من عقدين، لا يعبّر عن تمسّك بالمبادئ بقدر ما يعبّر عن تمسّك بإطار مريح سياسيًا، يسمح بالقول إن الموقف “ثابت” بينما الواقع يتحرّك في الاتجاه المعاكس. فالدولة التي تُطرح في الخطاب لا تُربَط بوقف الاستيطان، ولا بتفكيك منظومة الفصل العنصري، ولا بإنهاء الحصار، بل تُترَك معلّقة على “عملية سلمية” أثبت التاريخ أنها كانت غطاءً لتوسيع الاحتلال لا لإنهائه.

التناقض الصارخ: إدانة العدوان ومخاطبة داعميه

لا يمكن تجاهل التناقض الحاد بين إدانة تركي بن فيصل للسلوك العدواني الإسرائيلي في غزة والضفة وسوريا ولبنان، وبين اختياره مخاطبة مجتمع يدعم هذا السلوك على نطاق واسع. حين يُقال إن المستوطنين وحكومتهم “لا يدعون إلى الثقة”، ثم يُطلَب منهم في الوقت ذاته “التصرّف وفق القانون الدولي” لاستعادة هذه الثقة، فإن الخطاب ينزلق من موقع الإدانة إلى موقع النصح، ومن موقف المساءلة إلى موقف الوساطة المعنوية.

الأخطر أن هذا الخطاب يُعيد إنتاج وهم قديم: وهم أن المشكلة في إسرائيل أخلاقية قابلة للإصلاح الذاتي، لا بنيوية مرتبطة بطبيعة المشروع الاستيطاني. بهذا، يُعاد تدوير خطاب “السلام” بمعزل عن موازين القوة والوقائع على الأرض، ويُختزل الصراع في أزمة ثقة، لا في نظام احتلال وإبادة.

السيادة كشعار، والرسائل كوقائع

حين يؤكد تركي بن فيصل أن السياسة الخارجية السعودية تُبنى على “المصالح الوطنية لا الضغوط”، يبدو التصريح للوهلة الأولى تعبيرًا عن استقلال القرار. لكن هذا الادعاء يصطدم بواقع أن الرسالة نفسها وُجّهت عبر منبر إسرائيلي، وبخطاب يراعي الحساسية الإسرائيلية أكثر مما يعكس نبض الشارع العربي أو السعودي. السيادة، في هذا السياق، تتحوّل إلى شعار لفظي، بينما الممارسة الفعلية تُدار بمنطق طمأنة الخارج وتخفيف مخاوفه.

التأكيد على أن ترامب لم ينزعج من تصريحات محمد بن سلمان لا يخدم سوى فكرة واحدة: طمأنة الدوائر الأمريكية والإسرائيلية بأن الخلافات المعلنة لا تتجاوز حدود اللغة، وأن الجوهر ما زال قابلًا للتفاهم. وهنا تتضح وظيفة هذا الظهور الإعلامي: ليس رفض التطبيع، بل إدارة توقيته وشروطه، وإبقاء الباب مفتوحًا عبر خطاب ناعم موجّه للداخل الإسرائيلي.

حين يُعاد تعريف الإجماع العربي من خارج ساحته

أكثر ما يثير الاستنكار في حديث تركي بن فيصل هو قوله إن “العالم العربي غيّر موقفه من عدم الاعتراف بإسرائيل”. هذا الادعاء، في لحظة إبادة جماعية، لا يعكس تحوّلًا شعبيًا بقدر ما يعكس تحوّلًا رسميًا فرضته أنظمة وقّعت اتفاقات تطبيع بمعزل عن شعوبها. الخلط المتعمّد بين الأنظمة والمجتمعات هنا ليس بريئًا؛ إنه محاولة لإعادة تعريف الإجماع العربي من فوق، وبما يخدم مسارًا سياسيًا مُعدًّا سلفًا.

الأدهى أن هذا الادعاء يُقدَّم لجمهور إسرائيلي، فيُستخدم كأداة تطمين: العرب تغيّروا، الكرة في ملعبكم. بهذه الصيغة، يُنقَل عبء التنازل من المحتل إلى الضحية، ويُعاد تقديم التطبيع كاستحقاق طبيعي تأخّر بسبب “سوء اختيار الناخب الإسرائيلي”، لا بسبب جرائم الاحتلال المستمرة.

خطاب يلمّع الطريق ولا يوقف الجرائم

ما جرى ليس حوارًا من أجل السلام، بل خطاب تمهيدي يلمّع الطريق نحو تطبيع مؤجَّل، ويعيد صياغة الصراع بلغة تُرضي الخارج وتُربك الداخل. حين تختار السلطة مخاطبة الإسرائيليين بدل مساءلة الاحتلال، وحين تُستبدَل العدالة بمفردات الثقة، والحقوق بمسارات مفتوحة بلا نهاية، يصبح الخطاب جزءًا من المشكلة لا من الحل. الرسالة التي خرجت عبر الإعلام الإسرائيلي لم تُوقف قصفًا، ولم تُنقذ طفلًا، ولم تُغيّر معادلة القوة على الأرض. لكنها كشفت بوضوح اتجاه البوصلة: إدارة الصراع لا إنهاؤه، وتطبيع الخطاب قبل تطبيع العلاقات. في لحظة كهذه، لا يكون السؤال متى سيأتي التطبيع، بل بأي ثمن، وعلى حساب من، ولصالح أي سردية تُكتب اليوم من فوق ركام غزة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى