جسر جوي إماراتي لإجلاء آلاف الإسرائيليين يكشف عمق التحالف في زمن الحرب

في خضم التصعيد العسكري الواسع الذي تشهده المنطقة نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، برزت دولة الإمارات مجددًا كلاعب رئيسي في دعم إسرائيل لوجستيًا وسياسيًا، بعدما تكفلت بتمويل وتنظيم رحلات جوية خاصة لإجلاء آلاف الإسرائيليين العالقين في الخارج، وعلى رأسهم الموجودون في الإمارات ودول خليجية أخرى. وتسلط هذه الخطوة الضوء على مستوى غير مسبوق من التنسيق بين أبوظبي وتل أبيب، في وقت تتعرض فيه المنطقة لهزات أمنية وعسكرية تهدد استقرارها وتعيد تشكيل تحالفاتها السياسية.

الخطوة الإماراتية لم تكن مجرد إجراء إنساني لإجلاء مدنيين عالقين، بل حملت دلالات سياسية واضحة تعكس طبيعة العلاقة المتنامية بين الجانبين منذ توقيع اتفاقيات التطبيع. فقد جاء الإعلان عن هذه الرحلات في وقت تتعرض فيه إيران لقصف أمريكي إسرائيلي واسع، بينما تتسع رقعة المواجهة في المنطقة لتشمل هجمات صاروخية ومسيرات متبادلة، ما جعل مسألة نقل الإسرائيليين وإعادتهم إلى بلادهم تحديًا لوجستيًا وأمنيًا كبيرًا.

تنسيق سياسي وأمني مباشر بين أبوظبي وتل أبيب

تشير المعطيات المتداولة إلى أن الإمارات لم تكتفِ بالسماح باستخدام مطاراتها كمحطة عبور للإسرائيليين، بل تولت فعليًا تمويل وترتيب الرحلات الخاصة التي استخدمت لإجلائهم. وجاء ذلك بالتزامن مع اتصال هاتفي جرى بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الإماراتي محمد بن زايد، شكر خلاله نتنياهو أبوظبي على تعاونها في تسهيل عمليات الإجلاء وتنسيق المواقف في ظل الحرب الدائرة.

ويعكس هذا التنسيق المباشر مستوى عالياً من العلاقات السياسية والأمنية بين الطرفين، إذ باتت الإمارات في نظر كثير من المراقبين شريكًا إقليميًا مهمًا لإسرائيل في إدارة تداعيات الأزمات الأمنية التي تشهدها المنطقة.

مطار بن غوريون المغلق والأزمة الجوية الإسرائيلية

مع اندلاع الحرب على إيران، أعلنت إسرائيل إغلاق مطار بن غوريون أمام الرحلات التجارية نتيجة المخاوف الأمنية والقصف المتبادل في المنطقة. هذا القرار أدى إلى تعطّل آلاف الإسرائيليين في الخارج، خاصة في دول الخليج التي أصبحت وجهة سياحية وتجارية مهمة للإسرائيليين منذ اتفاقيات التطبيع.

وفي ظل هذا الوضع، تحركت الإمارات بسرعة لتنظيم عمليات إجلاء جوية، مستفيدة من البنية اللوجستية التي نشأت خلال السنوات الماضية نتيجة النشاط الجوي المكثف بين البلدين.

ففي الثالث من مارس نفذت إسرائيل أول عملية إجلاء جوية من الإمارات لطاقم سفارتها في أبوظبي وقنصليتها في دبي، عبر رحلة خاصة هبطت في مطار بن غوريون رغم استمرار إغلاقه أمام الرحلات التجارية.

مسارات التفافية لتجنب المخاطر العسكرية

مع استمرار التصعيد العسكري في المنطقة، لجأت السلطات الإسرائيلية بالتنسيق مع الإمارات إلى استخدام مسارات جوية غير مباشرة لنقل الإسرائيليين العالقين. ففي السادس من مارس انطلقت رحلتان خاصتان من مطار الشارقة الدولي وعلى متنهما أكثر من 300 إسرائيلي، حيث هبطت الطائرتان في مدينة العقبة الأردنية قبل نقل الركاب بالحافلات إلى المعابر البرية ومنها إلى داخل إسرائيل.

هذا المسار التفافيًا كان يهدف إلى تقليل المخاطر الأمنية المرتبطة بالطيران المباشر في ظل التهديدات الصاروخية وإغلاق المجال الجوي في أجزاء واسعة من المنطقة.

لكن بعد أيام، وتحديدًا في التاسع من مارس، وصلت أولى الرحلات المباشرة من دبي إلى مطار بن غوريون، حيث نقلت طائرتان أكثر من 600 إسرائيلي إلى تل أبيب ضمن خطة أوسع تنسقها وزارة المواصلات الإسرائيلية بالتعاون مع السلطات الإماراتية.

كما وصلت رحلة أخرى تقل أكثر من مئة راكب إلى العاصمة اليونانية أثينا قبل أن يكمل الركاب طريقهم إلى إسرائيل عبر مسارات بديلة، في خطوة تعكس تعقيد العمليات اللوجستية خلال الحرب.

التطبيع يوفر بنية لوجستية جاهزة

يؤكد مراقبون أن قدرة الإمارات على تنظيم عمليات الإجلاء بهذه السرعة تعود إلى البنية اللوجستية التي نشأت بعد اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل. فمنذ توقيع تلك الاتفاقيات، شهدت العلاقات الجوية بين البلدين توسعًا غير مسبوق، حيث أصبحت الرحلات المباشرة بين دبي وأبوظبي وتل أبيب أمرًا اعتياديًا.

وقد سيرت شركات الطيران الإماراتية والإسرائيلية عشرات الرحلات الأسبوعية خلال السنوات الماضية، ما أدى إلى نقل مئات الآلاف من المسافرين سنويًا بين الجانبين. هذا النشاط الجوي الكثيف خلق شبكة نقل جاهزة يمكن استخدامها بسرعة في حالات الطوارئ.

ومن وجهة نظر العديد من المحللين، فإن هذه البنية اللوجستية لم تُستخدم فقط لأغراض السياحة والتجارة، بل أصبحت أيضًا أداة استراتيجية يمكن توظيفها في الأزمات الأمنية والعسكرية.

رسالة سياسية في قلب الحرب الإقليمية

لا ينظر كثير من المراقبين إلى خطوة الإمارات باعتبارها مجرد مبادرة إنسانية لإجلاء مسافرين عالقين، بل يرون فيها رسالة سياسية واضحة تعكس أولويات أبوظبي وتحالفاتها في المنطقة.

فتمويل رحلات لإجلاء آلاف الإسرائيليين في وقت تتعرض فيه إيران لهجمات عسكرية واسعة يبرز، بحسب محللين، طبيعة التحالف المتنامي بين الإمارات وإسرائيل، والذي تجاوز الإطار الاقتصادي والسياحي ليصل إلى مستويات سياسية وأمنية عميقة.

ويرى منتقدون أن هذه الخطوة تمثل أحد أبرز تجليات نتائج اتفاقيات التطبيع التي وقعتها أبوظبي مع تل أبيب، إذ باتت الإمارات في نظرهم تقوم بدور داعم لإسرائيل في لحظات الأزمات الكبرى.

ويذهب بعض المراقبين إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن الإمارات تحولت عمليًا إلى قاعدة لوجستية إقليمية تخدم المصالح الإسرائيلية في المنطقة، سواء عبر التعاون الاقتصادي أو التنسيق الأمني.

تحالف يتعمق رغم اضطرابات المنطقة

مع استمرار الحرب والتوترات الإقليمية، يبدو أن العلاقات بين الإمارات وإسرائيل تسير في اتجاه مزيد من التعمق والتنسيق، خاصة في ظل التقارب السياسي الذي شهدته السنوات الأخيرة.

فالأحداث الأخيرة أظهرت أن اتفاقيات التطبيع لم تعد مجرد إطار دبلوماسي أو اقتصادي، بل تحولت إلى شبكة تحالفات عملية تظهر بوضوح عند اندلاع الأزمات.

وبينما تتجه المنطقة نحو مرحلة جديدة من الاستقطاب السياسي والعسكري، تبدو الإمارات في موقع متقدم ضمن المعسكر الإقليمي المتحالف مع إسرائيل والولايات المتحدة، وهو ما يثير جدلاً واسعًا حول مستقبل التوازنات السياسية في الشرق الأوسط، ودور الدول الخليجية في الصراعات المتصاعدة التي تعيد رسم خريطة التحالفات في المنطقة.

اقرأ أيضًا : حرب واشنطن مع إيران تشعل الخليج وتضع حلفاءها أمام فاتورة باهظة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى