توغّل جديد في القنيطرة… كيف ردّت دمشق وما الذي تريده تل أبيب؟

مقدمة
شهد ريف القنيطرة خلال أغسطس سلسلة من التوغلات الإسرائيلية المحدودة، أثارت ردود فعل غاضبة من دمشق التي اعتبرت ذلك انتهاكًا لسيادتها وتهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي. في الوقت نفسه، تؤشر التحركات الميدانية الإسرائيلية إلى محاولة فرض واقع أمني جديد على الأرض، بينما تسعى دمشق إلى استثماره سياسياً في مسار تفاوضي ناشئ.
أولاً: التطورات الميدانية
- سويسة: توغّل بري إسرائيلي، تخلله مداهمة منازل واعتقالات، مع تحليق مكثف للطائرات وإطلاق قنابل مضيئة.
- عين العبد: ثالث عملية توغّل خلال الشهر، شملت عمليات تفتيش داخل منازل مدنيين.
- مناطق أخرى (بريقة، بئر عجم، الرفيد): دخول سريع، نصب حواجز، تفتيش المارة ثم انسحاب.
- حصيلة إنسانية: سقوط قتيل مدني على الأقل، واعتقال عدد من السوريين في أكثر من موقع.
- الهدف المعلن إسرائيلياً: العثور على مستودعات سلاح تشمل قذائف RPG وعبوات ناسفة وبنادق وذخائر.
ثانياً: دوافع إسرائيل
- إنشاء عمق أمني: توسيع مجال السيطرة المباشرة في الجنوب السوري بما يشمل مناطق إشراف استراتيجية قرب جبل الشيخ.
- مكافحة تهريب السلاح: منع نقل عتاد أو تعزيز وجود مجموعات مرتبطة بإيران وحزب الله قرب الجولان.
- رسائل ردع: تكريس صورة السيطرة الميدانية لحماية الجولان والجليل، مع طمأنة الدروز في المنطقة بأن إسرائيل تفرض “مناطق آمنة”.
ثالثاً: موقف دمشق
- رفض رسمي للتوغلات: بيانات وزارة الخارجية السورية وصفت ما يجري بأنه “تصعيد خطير” وخرق لاتفاق فصل القوات لعام 1974.
- تصعيد سياسي–قانوني: التنديد في المحافل الدولية، وتحميل الاحتلال مسؤولية تقويض السلم الإقليمي.
- توظيف تفاوضي: إبقاء الباب مفتوحًا أمام مسار أمني–سياسي تقوده وساطات دولية، مع السعي لانتزاع اعتراف بحدود واضحة ومنع فرض أمر واقع دائم.
رابعاً: أبعاد اتفاق فصل القوات (1974)
- الاتفاق ينص على منطقة فصل خالية من القوات الثقيلة تحت إشراف قوات الأمم المتحدة.
- التوغلات الأخيرة تضعف فعالية هذه الترتيبات وتزيد من مخاطر الاحتكاك المباشر.
- الأمم المتحدة تراقب الوضع لكنها تجد صعوبة في منع تحركات ميدانية متكررة.
خامساً: الاتفاق الأمني المرتقب
- تقارير عدة تتحدث عن تقدم في مفاوضات أمنية بين دمشق وتل أبيب، تم التوافق فيها على معظم البنود، مع بقاء خلافات جوهرية.
- أبرز نقاط الخلاف: رغبة إسرائيل في الإبقاء على وجود عسكري بمواقع استراتيجية مثل جبل الشيخ وبعض التلال في القنيطرة.
- من المتوقع أن يشمل الاتفاق ترتيبات أكثر صرامة على انتشار السلاح شرق الجولان، وربما تعهدات سورية بإبعاد الميليشيات الحليفة لإيران.
سادساً: التداعيات والمخاطر
- خطر الاحتكاك العسكري: كل توغّل يزيد احتمالية مواجهة مباشرة مع القوات السورية أو مجموعات محلية.
- المدنيون في مرمى الأحداث: التوغلات ونصب الحواجز تعرض حياة السكان للخطر وتؤدي لاعتقالات متكررة.
- تقويض وجود الأمم المتحدة: ضعف قدرة قوات الفصل على ضبط الحدود يثير تساؤلات حول جدوى الاتفاق القائم.
- انعكاسات إقليمية: أي تصعيد في الجنوب السوري قد يتفاعل مع الجبهة اللبنانية أو مع مسارات النفوذ الإيراني.
سابعاً: السيناريوهات المحتملة
- استمرار التوغلات المحدودة (مرجّح): عمليات سريعة لجمع معلومات وضبط سلاح، مع انسحاب سريع واحتواء أي توتر.
- تصعيد موضعي ثم احتواء (محتمل): حادثة سقوط قتلى بأعداد أكبر قد تدفع دمشق لرد محدود، ثم يتم احتواء الموقف بوساطة دولية.
- اتفاق أمني مرحلي (احتمال متوسط): الإعلان عن تفاهمات جديدة تعيد صياغة ترتيبات الفصل وتشرعن وجودًا إسرائيليًا محدودًا مقابل التزامات سورية.
- تثبيت أمر واقع (خطر قائم): فشل المفاوضات يؤدي إلى بقاء “منطقة أمنية” تحت سيطرة إسرائيل بحكم الأمر الواقع.
تقدير موقف
التحركات الإسرائيلية في القنيطرة ليست مجرد عمليات ميدانية، بل تعكس إستراتيجية لبناء منطقة أمنية عازلة داخل الجنوب السوري، ريثما تنضج تسوية أمنية–سياسية. دمشق من جانبها تدين وتحتج، لكنها تدرك أن موازين القوى لا تسمح بمواجهة عسكرية مباشرة، ولذلك توازن بين التصعيد الإعلامي والانخراط في مسار تفاوضي.
الخلاصة: الجنوب السوري يدخل مرحلة جديدة من “إدارة التماس” حيث تتقاطع العمليات الميدانية المحدودة مع مسار سياسي هش، والنتيجة المرجحة هي استمرار حالة الاستنزاف مع محاولة تثبيت تفاهمات أمنية تعيد إنتاج اتفاق فصل جديد بصيغة تناسب المتغيرات الحالية.







