تطبيع يُرسَّخ بالخرائط: الاعتراف الإسرائيلي بصومالاند ودور الإمارات التخريبي

لم يكن الاعتراف الإسرائيلي بإقليم صومالاند خطوة دبلوماسية عابرة، ولا تعبيرًا عن تبدّل تقليدي في السياسة الخارجية، بل جاء بوصفه محطة متقدمة في مسار ترسيخ التطبيع وتوسيعه خارج الإطار الرسمي المعروف.
فالأمر لا يتعلق بعلاقات بين دولتين ذواتي سيادة، بل بتكريس واقع جديد يقوم على شرعنة كيانات انفصالية، وتحويلها إلى أدوات نفوذ في مشروع إقليمي تقوده تل أبيب وأبوظبي معًا.
التوقيت يكشف التنسيق المسبق
يحمل توقيت الاعتراف دلالات بالغة. فقد أُعلن بعد أيام قليلة من عودة رئيس الإقليم من زيارة مطوّلة إلى أبوظبي، التقى خلالها مسؤولين إماراتيين رفيعي المستوى. هذا التزامن لا يمكن اعتباره مصادفة، بل مؤشرًا على أن القرار جرى التحضير له مسبقًا، وأن الإمارات لعبت دور غرفة العمليات السياسية التي أُدير منها هذا المسار قبل خروجه إلى العلن.
الإمارات: من غطاء التنمية إلى هندسة التفكيك
منذ سنوات، تعمل الإمارات العربية المتحدة على ترسيخ نفوذها في صومالاند تحت عناوين اقتصادية وتنموية، أبرزها الاستثمار في ميناء بربرة والبنية التحتية المحيطة به. غير أن هذه العناوين كانت غطاءً لمشروع أعمق، يقوم على تحويل الإقليم إلى منصة نفوذ دائمة، وربطه سياسيًا وأمنيًا بأجندة خارجية، تمهيدًا لمنحه شرعية منفصلة عن الدولة الصومالية الأم.
إسرائيل… المستفيد الأمني الأول
بالنسبة إلى إسرائيل، لا يحمل الاعتراف أي بعد أخلاقي أو مبدئي. فالإقليم يشكّل موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية قرب البحر الأحمر وخليج عدن، ما يجعله منصة متقدمة للمراقبة والتأثير والتحرك الأمني. هنا يلتقي الطموح الإسرائيلي في توسيع رقعة التطبيع مع الطموح الإماراتي في التحكم بالموانئ والممرات البحرية، في شراكة تقوم على تبادل المصالح وتقاسم الأدوار.
تطبيع عبر الأطراف لا عبر الدول
اللافت في هذا المسار أنه لا يكتفي بتطبيع العلاقات بين عواصم، بل يذهب أبعد من ذلك، نحو تطبيع التفكك ذاته. فبدل احترام سيادة الدول، يجري الاستثمار في هشاشتها، ودعم أقاليم وأطراف على حساب المركز، ثم الدفع بها نحو اعترافات خارجية تمنحها شرعية مصطنعة. الاعتراف بصومالاند هنا يتحول إلى أداة لتكريس نموذج خطير، قابل للتكرار في ساحات أخرى.
سوابق إماراتية في اليمن والسودان
ما يجري في صومالاند لا يمكن فصله عن سجل إماراتي طويل في دعم قوى انفصالية أو مليشيات مسلحة في المنطقة. ففي اليمن، دعمت أبوظبي تشكيلات انفصالية خارج إطار الدولة، وفي السودان لعبت دورًا محوريًا في تمكين مليشيات ساهمت في تفكيك الدولة وإغراقها في الفوضى. النموذج واحد: تفكيك، تمكين، ثم بحث عن شرعنة سياسية لاحقة.
القرن الإفريقي كساحة اختبار
يمثل القرن الإفريقي قلب هذا المشروع. فهو بوابة التجارة العالمية والطاقة، ومن يسيطر على موانئه وممراته يمتلك قدرة هائلة على التأثير في الاقتصاد والأمن الدوليين. من هنا، يبدو الاعتراف بصومالاند خطوة ضمن صراع أوسع على باب المندب والبحر الأحمر، حيث تسعى الإمارات وإسرائيل إلى فرض أمر واقع جديد، ولو على حساب استقرار المنطقة.
استعمار مقنّع بشعارات الاستقرار
تحت لافتات “الاستقرار” و”التنمية”، يجري إنتاج واقع أكثر هشاشة. فالدول المستهدفة تُدفع نحو الانقسام، بينما تُخلق كيانات ضعيفة تعتمد في بقائها على الحماية الخارجية. هذا ليس استقرارًا، بل استعمار مقنّع، يُدار بأدوات ناعمة حينًا وبخطوات صادمة حينًا آخر.
خلاصة: تطبيع يقود إلى الفوضى
خلاصة المشهد أن الاعتراف الإسرائيلي بصومالاند ليس حدثًا منفصلًا، بل ترسيخ فجّ لمسار تطبيع يقوم على تفكيك الدول وإعادة رسم الخرائط من الأطراف. والدور الإماراتي في هذا المسار ليس ثانويًا، بل مركزيًا وخطيرًا، لأنه يحوّل التطبيع إلى أداة لفرض النفوذ، ويترك شعوب المنطقة تدفع ثمنًا إضافيًا من الفوضى والانقسام.







