تطبيع مخزي.. كيف سلّمت الإمارات مفاتيح أمنها السيبراني لإسرائيل

أثارت تصريحات الإعلامي والمعلق السياسي الأمريكي سينك أويغور موجة جدل واسعة بعد هجومه الحاد على دولة الإمارات بسبب تعاونها التكنولوجي والأمني المتزايد مع إسرائيل منذ توقيع اتفاقيات التطبيع عام 2020. فقد اعتبر أويغور أن ما قامت به أبوظبي لا يندرج في إطار شراكة استراتيجية متوازنة، بل يمثل ــ بحسب تعبيره ــ “خطأً استراتيجياً خطيراً” قد يؤدي إلى وضع الأمن السيبراني الإماراتي تحت نفوذ إسرائيلي مباشر.
وجاءت هذه التصريحات في وقت تتوسع فيه الشراكات التكنولوجية بين الطرفين في مجالات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والمراقبة الرقمية، وهي قطاعات تُعد من أكثر المجالات حساسية في منظومة الأمن الوطني للدول. ويرى مراقبون أن الانتقادات التي أطلقها أويغور تعكس قلقاً متزايداً لدى بعض الأوساط السياسية والإعلامية في الغرب من طبيعة هذا التعاون وحدوده، وما قد يحمله من تبعات استخباراتية وسياسية في المستقبل.
انتقادات لاذعة للتقارب الإماراتي الإسرائيلي
في تصريحاته المتداولة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل، وصف أويغور اندفاع الإمارات نحو التعاون الأمني والتكنولوجي مع إسرائيل بأنه “سذاجة سياسية غير مسبوقة”، مشيراً إلى أن أبوظبي فتحت الباب واسعاً أمام الشركات والتقنيات الإسرائيلية للدخول إلى بنية الدولة الرقمية.
وقال المعلق الأمريكي إن الإماراتيين “سلّموا تقريباً مفاتيح أمنهم السيبراني للإسرائيليين”، في إشارة إلى الاعتماد الكبير على الشركات الإسرائيلية المتخصصة في الأمن الرقمي والتجسس الإلكتروني.
وأضاف أن هذا الوضع يمنح إسرائيل نفوذاً غير مسبوق داخل مؤسسات الدولة، محذراً من أن إدخال شركات أجنبية ــ خاصة تلك المرتبطة بقطاع الاستخبارات ــ إلى البنية التحتية الرقمية لأي دولة قد يخلق نقاط ضعف استراتيجية يصعب معالجتها لاحقاً.
وتابع أويغور انتقاداته قائلاً إن الاعتقاد بأن إسرائيل ستتصرف كحليف تقليدي لدول المنطقة هو “وهم سياسي”، مشيراً إلى أن تل أبيب لطالما تعاملت مع علاقاتها الدولية من منظور المصالح الخاصة وليس من منطق التحالفات الثابتة.
التكنولوجيا بوابة النفوذ الاستخباراتي
تكمن خطورة التعاون السيبراني ــ بحسب كثير من الخبراء ــ في أنه لا يقتصر على تبادل الخبرات أو شراء التقنيات، بل قد يمتد إلى الوصول المباشر إلى شبكات المعلومات والبيانات الحساسة.
وفي هذا السياق حذر أويغور من أن الشركات الإسرائيلية العاملة في مجال الأمن السيبراني تمتلك قدرات تقنية عالية تمكنها نظرياً من الوصول إلى معلومات اقتصادية وأمنية وسياسية حساسة داخل الدول التي تستخدم تقنياتها.
وأوضح أن هذه المعلومات قد تشمل بيانات حكومية، أو أنظمة مراقبة، أو شبكات الاتصالات، وهو ما قد يمنح الطرف المزوّد للتكنولوجيا قدرة على مراقبة أو التأثير في هذه الأنظمة في حال حدوث توتر سياسي أو تغير في المصالح.
ويرى خبراء في الأمن الرقمي أن مثل هذه المخاطر ليست افتراضية بالكامل، إذ تشير تجارب دولية عديدة إلى أن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا الأجنبية في القطاعات الحساسة قد يفتح الباب أمام عمليات اختراق أو ابتزاز سياسي.
اختلال ميزان العلاقة بين أبوظبي وتل أبيب
يربط أويغور بين هذا الوضع وبين ما وصفه بعدم التكافؤ في العلاقة بين الإمارات وإسرائيل. فالأخيرة تعد من الدول الرائدة عالمياً في مجالات التكنولوجيا العسكرية والأمن السيبراني، بينما تسعى الإمارات إلى تطوير بنيتها الرقمية بسرعة كبيرة في إطار مشاريع التحول التكنولوجي.
ويقول إن هذا الاختلال في القدرات يمنح إسرائيل اليد العليا في العلاقة، حيث تصبح أبوظبي في موقع المتلقي للتكنولوجيا بينما يحتفظ الطرف الإسرائيلي بالمعرفة التقنية والقدرة على التحكم في الأنظمة.
وبحسب هذا المنطق، فإن الدولة التي تملك التكنولوجيا الأساسية هي التي تملك في النهاية القدرة على التأثير في مسار العلاقة أو استخدامها كورقة ضغط إذا اقتضت المصالح السياسية ذلك.
ويرى بعض المحللين أن هذه المخاوف تفسر توجه عدد من الدول حول العالم إلى تنويع مصادر التكنولوجيا وعدم الاعتماد على طرف واحد في القطاعات الحساسة مثل الاتصالات والأمن السيبراني.
اتفاقيات التطبيع وتوسع التعاون الأمني
منذ توقيع اتفاقيات التطبيع بين الإمارات وإسرائيل عام 2020، شهد التعاون بين الطرفين توسعاً كبيراً في مجالات متعددة، أبرزها التكنولوجيا المتقدمة والأمن الرقمي والذكاء الاصطناعي.
فقد دخلت شركات إسرائيلية متخصصة في الأمن السيبراني وأنظمة المراقبة إلى السوق الإماراتية، كما أُبرمت شراكات في مجالات تحليل البيانات والأنظمة الذكية والبرمجيات الأمنية.
ويقول منتقدو هذا التوجه إن هذه الشراكات تمنح إسرائيل فرصة لتعزيز نفوذها التكنولوجي في المنطقة، خاصة في ظل تفوقها الكبير في الصناعات المرتبطة بالاستخبارات الرقمية.
أما المدافعون عن هذا التعاون فيرون أنه يمثل فرصة لدول الخليج للاستفادة من الخبرات التكنولوجية المتقدمة وتسريع مشاريع التحول الرقمي، معتبرين أن الشراكات التقنية أصبحت جزءاً أساسياً من الاقتصاد العالمي الحديث.
التطبيع بين المكاسب والمخاطر الاستراتيجية
تعكس تصريحات أويغور جانباً من الجدل الدائر حول نتائج اتفاقيات التطبيع في المنطقة، إذ يرى منتقدوها أنها فتحت الباب أمام نفوذ إسرائيلي متزايد في قطاعات حساسة داخل بعض الدول العربية.
وبحسب هذا الرأي، فإن التطبيع لم يقتصر على العلاقات الدبلوماسية أو الاقتصادية، بل امتد إلى مجالات الأمن والتكنولوجيا التي تشكل العمود الفقري للأمن القومي في العصر الرقمي.
ويحذر هؤلاء من أن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا الإسرائيلية قد يتحول مع مرور الوقت إلى نقطة ضعف استراتيجية، خاصة إذا تغيرت التوازنات السياسية أو ظهرت خلافات بين الطرفين.
وفي المقابل يرى آخرون أن العالم يتجه نحو شبكة معقدة من الاعتمادات المتبادلة في مجالات التكنولوجيا، وأن إدارة هذه العلاقات بذكاء يمكن أن يحولها إلى مصدر قوة بدلاً من أن تكون تهديداً أمنياً.
لكن تصريحات أويغور أعادت طرح سؤال جوهري: هل يمثل التعاون التكنولوجي بين الإمارات وإسرائيل شراكة استراتيجية متكافئة، أم أنه خطوة قد تجعل الأمن الرقمي في المنطقة أكثر عرضة للتأثيرات الخارجية في المستقبل؟






