تصاعد توظيف التوترات الإقليمية لتبرير تعميق الشراكة الإماراتية مع الاحتلال الإسرائيلي

تكشف متابعة متأنية للخطاب السياسي والإعلامي الصادر عن دوائر القرار في الإمارات عن تحول واضح في طريقة عرض الواقع الإقليمي، وهو تحول لا يبدو عفويًا أو مرحليًا، بل يأتي ضمن مشروع أوسع لإعادة تشكيل الوعي العام بما يتوافق مع أولويات جديدة في السياسة الخارجية. ويبرز في صدارة هذه الأولويات الدفع نحو تعميق الشراكة مع الاحتلال الإسرائيلي وتقديمها كخيار استراتيجي في بيئة إقليمية مضطربة.

تصوير الإقليم كبيئة تهديد مستمر
تعتمد الرواية الجديدة على تكثيف صورة المنطقة العربية والخليجية باعتبارها فضاءً غير مستقر، مليئًا بالصراعات والتحديات الأمنية. ويتم تقديم هذا المحيط على أنه مصدر تهديد محتمل، ليس فقط للاستقرار السياسي، بل أيضًا للنجاحات الاقتصادية التي حققتها الإمارات خلال العقود الماضية. هذا التصوير لا يأتي بمعزل عن حملات إعلامية ممنهجة، بل يتكرر عبر منصات متعددة، ما يعزز الإحساس العام بالخطر ويخلق حالة من القلق المستمر لدى الجمهور.

خطاب التخويف كأداة لإعادة التوجيه
في هذا السياق، يتم توظيف خطاب التخويف كأداة فعالة لإعادة توجيه الرأي العام. إذ يجري الإيحاء بأن الاعتماد على العمق العربي لم يعد ضمانة للاستقرار، بل ربما أصبح عبئًا قد يهدد ما تحقق من إنجازات. هذا الطرح يفتح الباب أمام قبول خيارات بديلة، كانت في السابق مثار جدل أو رفض شعبي، وعلى رأسها التقارب مع إسرائيل.

نزعة استعلائية تجاه المحيط العربي
بالتوازي مع خطاب التخويف، يظهر خطاب آخر يتسم بنبرة استعلائية تجاه دول الجوار. يعتمد هذا الخطاب على مقارنات سطحية بين مظاهر التقدم العمراني في الإمارات، والأزمات الاقتصادية أو السياسية في دول عربية أخرى. ورغم تبسيط هذه المقارنات، فإنها تخدم هدفًا واضحًا يتمثل في تعزيز شعور بالتفوق والانفصال عن المحيط الطبيعي، بما يهيئ نفسيًا لفكرة الاستغناء عنه أو تقليل الاعتماد عليه.

إسرائيل كشريك بديل ومصدر قوة
في مقابل هذه الصورة السلبية للإقليم، يجري تقديم الاحتلال الغاصب بصورة مغايرة تمامًا. حيث تُعرض كدولة متقدمة تكنولوجيًا، تمتلك قدرات أمنية وعلمية متطورة، وقادرة على تقديم حلول في مجالات حيوية مثل الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي. ويتم تسويق هذه الشراكة على أنها فرصة لتعزيز الاستقرار الداخلي وضمان استمرار النمو الاقتصادي، في ظل بيئة إقليمية توصف بأنها غير موثوقة.

التطبيع كخيار يُفرض عبر السردية الإعلامية
لا يقف الأمر عند حدود الترويج للعلاقات، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة جعل التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي أمرًا طبيعيًا ومقبولًا. ويتم ذلك عبر تكرار الرسائل التي تربط بين الأمن والاستقرار من جهة، والتعاون مع إسرائيل من جهة أخرى. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الرسائل إلى جزء من الخطاب السائد، ما يضعف من حدة الرفض الشعبي ويعيد تشكيل المواقف تجاه القضية الفلسطينية.

حملات رقمية منظمة وتأثيرها على الرأي العام
تلعب الحملات الرقمية دورًا محوريًا في هذا التحول، حيث يتم ضخ محتوى متكرر بصيغ مختلفة عبر حسابات منظمة، تهدف إلى ترسيخ نفس الأفكار. ويظهر هذا بوضوح في طبيعة النقاشات على منصات التواصل الاجتماعي، التي تعكس درجة عالية من التنسيق في المفردات والرسائل. هذه الحملات لا تكتفي بنقل المواقف الرسمية، بل تسعى إلى خلق بيئة رأي عام تتبنى هذه المواقف وتدافع عنها.

إعادة تعريف مفاهيم الأمن والانتماء
ما يجري يتجاوز مجرد تغيير في التحالفات السياسية، ليصل إلى إعادة تعريف مفاهيم أساسية مثل الأمن والانتماء. فبدلًا من النظر إلى العمق العربي كحاضنة طبيعية، يجري تقديمه كعبء أو حتى تهديد، في حين تُطرح إسرائيل كحليف يوفر الحماية والتفوق. هذا التحول يحمل دلالات عميقة، لأنه يمس الهوية السياسية والثقافية، وليس فقط السياسات الخارجية.

تساؤلات حول الكلفة السياسية والاجتماعية
رغم هذا التوجه، تبرز تساؤلات جدية حول الكلفة المترتبة عليه. فتعميق العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي، في ظل استمرار معاناة الشعب الفلسطيني، قد يخلق فجوة بين الخطاب الرسمي ومشاعر الشارع العربي. كما أن المساهمة في تعميق الانقسامات الإقليمية قد تنعكس سلبًا على استقرار المنطقة على المدى البعيد.

خاتمة: مشروع إعادة تموضع شامل
في المحصلة، يبدو أن ما تشهده الإمارات ليس مجرد تعديل في سياستها الخارجية، بل عملية إعادة تموضع شاملة، تقوم على فك الارتباط التدريجي مع المحيط العربي، مقابل بناء شراكات جديدة تتصدرها إسرائيل. ويعتمد هذا المشروع على خطاب إعلامي وسياسي مدروس، يسعى إلى إعادة تعريف الحليف والخصم، بما يتماشى مع رؤية جديدة لدور الإمارات في المنطقة، حتى وإن جاء ذلك على حساب ثوابت تاريخية وقضايا مركزية في الوعي العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى