تحالف السلاح السري بعد التطبيع: الإمارات تموّل أخطر قدرات إسرائيل العسكرية

كشفت تقارير استخبارية وإعلامية متطابقة عن واحدة من أخطر نتائج تطبيع الإمارات مع الاحتلال الإسرائيلي، بعد أن تبيّن أن أبو ظبي تقف خلف أكبر صفقة في تاريخ شركة الصناعات العسكرية الإسرائيلية «إلبيت سيستمز»، بقيمة تقديرية تصل إلى 2.3 مليار دولار. الصفقة، التي جرى الإعلان عنها قبل أسابيع بشكل مبهم على أنها موجّهة إلى “عميل دولي”، سرعان ما انكشف أنها تمثل تمويلاً إماراتيًا مباشرًا لقدرات إسرائيل الأكثر حساسية، في مجالات تمس جوهر تفوقها العسكري والأمني.
وبحسب موقع «إنتليجنس أونلاين» الفرنسي، فإن هذه الصفقة تُعد الأضخم منذ تأسيس «إلبيت»، وهو ما يفسر مستوى السرية غير المسبوق الذي أحاط بها. فقد خلا إخطار الشركة لبورصة تل أبيب من أي تفاصيل تشغيلية أو جغرافية، واكتفى بالإشارة إلى “حل استراتيجي عالي الحساسية”، بالتوازي مع فرض حظر نشر داخلي داخل إسرائيل على أجزاء واسعة من الاتفاق.
سرية غير معتادة… ومغزى سياسي خطير
هذا المستوى من التعتيم لا يُستخدم عادة في صفقات تصدير السلاح التقليدية، بل يُلجأ إليه عندما تكون الصفقة مرتبطة بأنظمة نوعية تمس توازنات عسكرية أو سياسية دقيقة، أو عندما يكون الطرف المشتري طرفًا يفضّل البقاء في الظل خشية التداعيات الإقليمية والأخلاقية. وفي هذه الحالة، يبدو أن إخفاء اسم الإمارات لم يكن تفصيلًا تقنيًا، بل خيارًا سياسيًا واعيًا، خاصة في ظل الحرب المستمرة على غزة وما تثيره من غضب شعبي عربي واسع تجاه أي تعاون مع الاحتلال.
صحيفة «كالكاليست» الاقتصادية الإسرائيلية ذهبت أبعد من ذلك، حين أشارت إلى أن طبيعة النظام موضوع الصفقة قد تؤدي إلى تقليص التفوق العسكري الإسرائيلي في الشرق الأوسط. وهو تصريح لافت، لأنه يعني أن الحديث لا يدور عن معدات دفاعية عادية، بل عن منظومات متقدمة في مجالات القيادة والسيطرة، والربط الشبكي، والاستخبارات، والحرب الإلكترونية، وهي مجالات تُعد العمود الفقري للعقيدة العسكرية الإسرائيلية الحديثة.
من التطبيع السياسي إلى التحالف العسكري
تأتي هذه الصفقة تتويجًا لمسار بدأ منذ توقيع اتفاقيات التطبيع بين أبو ظبي وتل أبيب قبل نحو خمس سنوات. فمنذ ذلك الحين، لم يعد التطبيع مجرد تبادل سفارات أو علاقات دبلوماسية شكلية، بل تحوّل تدريجيًا إلى شراكة أمنية مباشرة. وقد مثّل افتتاح «إلبيت» و«الصناعات الجوية الإسرائيلية» مكاتب رسمية في أبو ظبي ودبي خطوة عملية لتسهيل هذا التحول، ومنح الإمارات وصولًا مباشرًا إلى الشركات الإسرائيلية دون وسطاء دوليين.
وخلال السنوات الماضية، ظهرت مؤشرات متتالية على هذا المسار، من بينها تقارير عن بيع بطاريات صواريخ «باراك إم إكس» للإمارات بعد فترة قصيرة من التطبيع، ثم استحواذ مجموعة «إيدج» الإماراتية على 30% من شركة «ثيرد آي سيستمز» المتخصصة في أنظمة تعطيل الطائرات المسيّرة. هذه الاستثمارات تكشف تركيزًا إماراتيًا واضحًا على قدرات الرصد والتشويش والتحكم في المجال الجوي المنخفض، وهي قدرات تُستخدم أساسًا في إدارة النزاعات غير النظامية وحروب الوكالة.
بدائل إسرائيلية بعد تعثر «إف-35»
بالتوازي مع ذلك، سعت أبو ظبي إلى شراء مقاتلات «إف-35» الأمريكية، غير أن الصفقة تعثرت رغم موافقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بسبب شروط أمريكية صارمة، من بينها الاحتفاظ بإمكانية التحكم عن بُعد بالطائرات خشية تسريب تقنيات حساسة إلى الصين. هذا الشرط عكس مستوى القلق الأمريكي من طبيعة الشراكات الإماراتية مع بكين، خصوصًا في مجالات التكنولوجيا والاتصالات.
ومع تراجع الحماسة الإماراتية لإتمام صفقة «إف-35»، بدا الانفتاح على البدائل الإسرائيلية خيارًا عمليًا، في ظل مرونة أكبر في نقل التكنولوجيا، وهامش رقابة أقل مقارنة بالولايات المتحدة. وهنا، لم تعد إسرائيل مجرد مورّد سلاح، بل شريكًا تقنيًا يوفّر أنظمة متقدمة تخدم الطموحات الإماراتية الإقليمية.
خيانة بن زايد وساحات النفوذ الإقليمي
في هذا السياق، لا يمكن فصل صفقة «إلبيت» عن الدور الإقليمي الذي تلعبه الإمارات في عدد من ساحات النزاع. ففي السودان، ورغم النفي الرسمي، تشير تقارير أممية وإعلامية إلى أدوار غير معلنة لأبو ظبي في دعم أطراف مسلحة. وفي ليبيا واليمن، اعتمدت الإمارات على أدوات غير مباشرة لإدارة النفوذ، شملت دعم تشكيلات محلية واستخدام تكنولوجيا مراقبة متقدمة.
امتلاك منظومات إسرائيلية حساسة يعزز هذا النمط من التدخل غير المعلن، ويمنح أبو ظبي أدوات أكثر تطورًا لإدارة الصراعات عن بُعد. وهنا تتجلى خيانة بن زايد بشكل صارخ، ليس فقط للقضية الفلسطينية، بل لمفهوم الأمن العربي نفسه، عبر تمويل القدرات العسكرية لدولة الاحتلال في ذروة حربها على غزة، ثم استخدام هذه القدرات لتوسيع النفوذ الإقليمي على حساب استقرار المنطقة.
ما بعد الفضيحة
إن إخفاء اسم الإمارات عن الصفقة ثم انكشافه لاحقًا يؤكد إدراكًا رسميًا لحساسية الإعلان عنها. فالعلاقة الإماراتية–الإسرائيلية، كما تُظهر هذه الصفقة، تجاوزت مرحلة التطبيع السياسي إلى مستوى التحالف الأمني العميق، القائم على تبادل التكنولوجيا الأكثر حساسية والاستثمارات العسكرية المتبادلة.
وبذلك، لم يعد التطبيع مجرد خيار دبلوماسي، بل تحول إلى مشروع استراتيجي كامل، يقوم على تمكين الاحتلال عسكريًا، وبناء أدوات نفوذ إقليمي على أنقاض القيم العربية، في مشهد يلخص بوضوح معنى التطبيع حين يتحول إلى شراكة في القوة والدم.






