بن سلمان يهرول إلى التطبيع مع إسرائيل لكن الغضب الشعبي يوقفه

أعاد السيناتور الأمريكي البارز ليندسي غراهام إشعال النقاش حول مستقبل العلاقات السعودية-الإسرائيلية، بعد تصريحات مفصلية كشف فيها أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لن يقدم على التطبيع دون ثمن سياسي واضح للفلسطينيين، رغم أن الرجل –بحسب غراهام– كان يسير بخطوات متسارعة نحو الاتفاق قبل أن يوقفه الرفض الشعبي وأحداث السابع من أكتوبر.

التصريحات التي أدلى بها غراهام، المعروف بقربه من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وبدوره الواسع في المفاوضات الثلاثية بين واشنطن والرياض وتل أبيب، تعطي صورة دقيقة عن حجم التوتر داخل المنطقة، وعن التعقيدات التي تواجه المسار السياسي الذي تراهن عليه إدارة ترامب الجديدة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق رؤية تتجاوز القضية الفلسطينية.

■ تطبيع «كان قريبًا جدًا» قبل أن تتدحرج الأحداث

يقول غراهام إن المحادثات بين الولايات المتحدة والسعودية وإسرائيل وصلت إلى مستوى غير مسبوق من التقدم قبل هجوم السابع من أكتوبر. فالإطار العام للاتفاق كان شبه جاهز، والسعودية كانت “قريبة للغاية” من الإعلان عن خطوة تاريخية، لولا أن الهجوم –بحسب وصفه– “جاء ليقلب الطاولة”.

هنا يلمّح السيناتور إلى ما يعتبره في واشنطن “السبب الحقيقي” للهجوم: رغبة حماس في نسف مسار التطبيع. وذهب أبعد من ذلك حين قال إن الحركة تعمدت تصوير مشاهد الهجوم “كي تقسو قلوب الإسرائيليين وتفجّر غضب الشارع العربي ضد أي اتفاق محتمل”.

لكن ما يكشفه غراهام بين السطور هو أن الاندفاعة السعودية نحو التطبيع لم تكن مجرد خيار سياسي بل رؤية استراتيجية يقودها ابن سلمان شخصيًا، وكان الطرف الأمريكي يرى فيها “أفضل فكرة في الشرق الأوسط منذ سنوات” لأنها تربط إسرائيل اقتصاديًا وعسكريًا بأكبر قوة عربية.

ومع ذلك، يبقى العامل الشعبي عائقًا ثابتًا. فالسعودية –رغم قوتها الإقليمية– لا تستطيع المجازفة بإعلان اتفاق علني وسط موجة غضب عربية عارمة تجاه إسرائيل منذ حرب غزة، وهو ما يفسر الجملة الحادة التي قالها غراهام لاحقًا:
“ابن سلمان لن يعترف بإسرائيل حتى يحقق شيئًا أفضل للفلسطينيين… أو يقتلوه. هذه هي الحقيقة.”


■ محاولة أمريكية لإعادة هندسة الأمن الإقليمي

في المقابلة نفسها، شدد غراهام على أن التعاون الأمني بين السعودية وإسرائيل هو الركيزة الكبرى التي تراها واشنطن كمدخل لضمان “استقرار طويل الأمد” في المنطقة. ومن هذا المنظور، عبّر السيناتور الجمهوري عن دعمه القوي لصفقة تزويد المملكة بطائرات “إف-35”، معتبرًا أنها ستشكّل حافزًا مهمًا للسعودية للانضمام إلى “اتفاقيات أبراهام الموسّعة”.

ومع أن غراهام تحدث عن قيم مشتركة بين إسرائيل وأمريكا، إلا أن رسالته الأساسية كانت واضحة:
إسرائيل ليست عبئًا على الولايات المتحدة، بل استثمارًا يعزز القوة الأمريكية في الشرق الأوسط، وبالتالي فإن دمجها أكثر في تحالفات عربية –خصوصًا مع الرياض– يعد خطوة استراتيجية لا غنى عنها.

غير أن السيناتور لم يكتف بالحديث عن الجانب الأمني، بل انتقل إلى لبنان، حيث اعتبر أنه “لا مستقبل للدولة اللبنانية ما دام حزب الله يحتفظ بسلاحه”، داعيًا إلى بناء الجيش اللبناني والعمل المشترك مع إسرائيل لـ“تفكيك الحزب”، وهو تصريح يعكس التوجه المتشدد للجمهوريين تجاه الملف اللبناني ضمن رؤية إقليمية أوسع لكبح النفوذ الإيراني.


■ شروط غراهام للتطبيع: التخلص من حماس وحزب الله أولاً

يتحدث غراهام باعتبار أن أي مسار سياسي –سواء في غزة أو الرياض أو تل أبيب– محكوم بشرط رئيسي: تحييد التهديدات المسلحة. ولذلك رفض السيناتور فكرة نشر قوة دولية في غزة، قائلاً:
“لا يوجد سلاح جو سيأتي لتفكيك حماس… إسرائيل وحدها تستطيع فعل ذلك.”

كما اعتبر أنه لا إمكانية لعقد اتفاق سعودي-إسرائيلي قبل “القضاء على حماس وحزب الله”، وهو طرح يعكس أولويات واشنطن وتل أبيب في هذه المرحلة: الأمن أولًا، ثم السياسة.

ومع ذلك، تتعارض هذه المقاربة مع الرؤية السعودية التي –بحسب غراهام نفسه– تريد من أي اتفاق أن يحقق حدًا أدنى من المكاسب السياسية للفلسطينيين كي يكون قابلًا للقبول شعبيًا داخل المملكة.


■ ابن سلمان بين الهرولة والرفض الشعبي

رغم أن غراهام لم يصرّح بذلك مباشرة، إلا أن كلامه يترك انطباعًا واضحًا:
ابن سلمان كان منفتحًا جدًا على التطبيع، وربما أسرع مما يعتقد كثيرون، لكن العقبة ليست في الموقف الرسمي بل في الشارع العربي والسعودي.

فالحرب على غزة فجّرت موجة غضب غير مسبوقة في المنطقة، جعلت أي خطوة تطبيعية بمثابة انتحار سياسي لأي زعيم عربي، بما في ذلك ولي العهد الذي يبني صورته الداخلية على الإصلاح الاقتصادي وتعزيز الثقة الشعبية.

لذلك، فإن حديث السيناتور الأمريكي عن أن ابن سلمان “لن يعترف بإسرائيل قبل تحقيق نتيجة أفضل للفلسطينيين” يمكن قراءته كإشارة إلى حاجته لغطاء سياسي يخفف من صدمة التطبيع ويجعله قابلاً للتسويق داخليًا، وليس شرطًا أخلاقيًا أو مبدئيًا بالضرورة.


■ خلاصة

تكشف تصريحات ليندسي غراهام عن معادلة دقيقة تحكم المنطقة اليوم:

  • إسرائيل تريد تطبيعًا بلا ثمن سياسي.
  • الولايات المتحدة ترى فيه فرصة استراتيجية تاريخية.
  • السعودية مستعدة للمضي فيه… لكن الشارع يمنع الإعلان.
  • والفلسطينيون، رغم تهميشهم، يعودون ليكونوا العقدة المركزية.

وبين كل ذلك، يظهر ولي العهد السعودي عالقًا بين رغبته في تحقيق اختراق كبير في السياسة الإقليمية، وبين إدراكه أن أي تنازل للفلسطينيين أقل من الحد الأدنى سيجعل التطبيع “مستحيلًا”، ليس بسبب إسرائيل… بل بسبب شعوب المنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى