الإمارات تحاول إعادة رسم رفح عبر مجمع سكني تحت السيطرة الإسرائيلية

في خطوة تثير تساؤلات سياسية عميقة تتجاوز بعدها الإنساني، كشفت وكالة “رويترز” عن تعاقد شركة مقاولات فلسطينية من قطاع غزة على تنفيذ مشروع مجمّع سكني ضخم قرب مدينة رفح، بتمويل إماراتي، في منطقة ما تزال تخضع للسيطرة العسكرية للاحتلال الإسرائيلي. وبينما يُسوّق المشروع باعتباره استجابة عاجلة لأزمة النزوح الكارثية في القطاع، يرى مراقبون أن الأمر يتجاوز الإغاثة إلى إعادة هندسة الواقع السكاني والسياسي في غزة ضمن ترتيبات ما بعد الحرب، في سياق يتقاطع مع مسار التطبيع الإماراتي وتصورات أمريكية ـ إسرائيلية لإدارة القطاع.
المشروع، بحسب المصادر، سيقام على مساحة تقدر بنحو 74 فدانا جنوب القطاع، وسيضم وحدات سكنية مسبقة الصنع متعددة الطوابق، تستوعب عشرات آلاف الفلسطينيين الذين شردتهم الحرب الأخيرة. وتتولى تنفيذ المخطط شركة “مسعود وعلي للمقاولات” (MACC)، بالتعاون مع شركتين مصريتين، بينما امتنعت الشركة عن التعليق، ولم يصدر موقف رسمي من الاحتلال أو من حركة حماس، في حين اكتفى مسؤول إماراتي بالتأكيد على دعم بلاده لجهود الإغاثة والتعافي.
إعادة إعمار بلا انسحاب ولا تسوية سياسية
اللافت في هذا المشروع أنه يأتي دون انتظار انسحاب الاحتلال من المناطق التي أعاد احتلالها خلال الحرب، ودون اكتمال التفاهمات السياسية المرتبطة بالمرحلة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار، والتي تتضمن شرطا أساسيا يتمثل في نزع سلاح حركة حماس. بهذا المعنى، تبدو “رفح الجديدة” ـ كما تسميها بعض الوثائق التخطيطية ـ تجربة عملية لإعادة الإعمار تحت مظلة أمنية إسرائيلية، وبإشراف دولي ـ أمريكي، بعيدا عن السلطة الفعلية في غزة.
وثائق تخطيطية اطلعت عليها صحيفة بريطانية في وقت سابق كشفت أن المشروع لا يقتصر على مجمع سكني مؤقت، بل يشمل إنشاء نحو 100 ألف وحدة سكنية دائمة، و200 مركز تعليمي، و75 مرفقا طبيا، بإشراف ما يسمى “مجلس السلام” الأمريكي. ويطرح هذا الإطار تساؤلات حول طبيعة الجهة التي ستتولى الإدارة الفعلية للمشروع، ومن سيملك قرار الأمن والموارد داخله.
المسؤول الأمريكي الذي تحدث عن المشروع وصفه بأنه “نموذج تجريبي لمجتمعات سكنية آمنة بديلة”، في إشارة واضحة إلى محاولة خلق بيئة خالية من نفوذ حماس، عبر أدوات تقنية وأمنية جديدة، من بينها استخدام محافظ إلكترونية بالشيكل لضبط حركة الأموال، واعتماد مناهج تعليمية منفصلة عن أي توجيه رسمي فلسطيني.
شروط أمنية ومراقبة بيومترية
أحد أكثر جوانب المشروع إثارة للجدل يتمثل في اشتراط الخضوع لفحوص أمنية وجمع بيانات بيومترية مقابل الحصول على الخدمات الأساسية من تعليم ورعاية صحية ومياه جارية. وتشير المعلومات إلى أن الدخول والخروج من المدينة سيكون متاحا، لكن عبر بوابات تخضع لإجراءات أمنية تهدف لمنع إدخال أسلحة أو “عناصر معادية”.
ورغم عدم الكشف عن الجهة التي ستدير عملية جمع البيانات أو تشرف على الفحوص، فإن خبراء حقوقيين اعتبروا ذلك توسيعا غير مسبوق لمنظومة المراقبة والسيطرة على الفلسطينيين، تحت غطاء إنساني. فربط الخدمات الأساسية بإجراءات أمنية وبيومترية قد يحول المدينة إلى فضاء منضبط أمنيا، أشبه بمنطقة معزولة تخضع لرقابة دقيقة، بما يثير مخاوف من تكريس واقع “الإدارة الأمنية” بدل الحل السياسي.
بين الإغاثة والتطبيع الإماراتي
في خلفية هذا المشهد، يبرز الدور الإماراتي الذي يثير انقساما واسعا في الشارع الفلسطيني والعربي. فالإمارات، التي مضت في مسار التطبيع مع الاحتلال، تقدم نفسها اليوم كداعم رئيسي لإعادة الإعمار في غزة، لكن في إطار ترتيبات لا تنفصل عن الرؤية الأمريكية ـ الإسرائيلية لمستقبل القطاع.
يرى منتقدو المشروع أن التمويل الإماراتي، في ظل غياب مرجعية فلسطينية جامعة وإجماع وطني، قد يُستخدم كأداة لإعادة تشكيل المشهد السياسي في غزة، عبر خلق بدائل إدارية وخدمية خارج سيطرة الفصائل، تمهيدا لإعادة هندسة السلطة المحلية. في المقابل، يجادل مؤيدو الخطوة بأن الحاجة الإنسانية الملحّة لا تحتمل انتظار التسويات الكبرى، وأن أي جهد يخفف معاناة النازحين يجب دعمه.
لكن الإشكالية الأعمق تكمن في أن إعادة الإعمار هنا لا تجري بعد انتهاء الحرب ورفع الاحتلال، بل في ظل استمرار السيطرة العسكرية، ما يمنح الاحتلال دورا غير مباشر في تحديد شكل الإعمار وحدوده وسكانه. وهو ما يطرح سؤالا مركزيا: هل نحن أمام إعادة إعمار حقيقية، أم أمام إعادة تنظيم سكاني ضمن منطق أمني جديد؟
هندسة ما بعد الحرب
يأتي المشروع في سياق أوسع من النقاشات حول “اليوم التالي” في غزة، حيث تسعى أطراف دولية إلى بلورة صيغة إدارة مدنية لا تخضع لحماس، مع ضمان ترتيبات أمنية مشددة. وفي هذا الإطار، تبدو “رفح الجديدة” مختبرا مبكرا لتلك الصيغة، يجمع بين التمويل الخليجي، والإشراف الأمريكي، والمظلة الأمنية الإسرائيلية.
الرهان، بحسب هذا التصور، هو خلق نموذج قابل للتوسع لاحقا في مناطق أخرى من القطاع، بما يكرس واقعا جديدا على الأرض، يصعب التراجع عنه. غير أن نجاح مثل هذا النموذج يبقى رهنا بمدى قبوله شعبيا، وبقدرته على الفصل بين البعد الإنساني والاعتبارات السياسية والأمنية.
في المحصلة، يفتح مشروع المجمع السكني في رفح بابا واسعا للأسئلة حول مستقبل غزة: من يعيد إعمارها؟ وتحت أي شروط؟ وبأي ثمن سياسي؟ وبينما ينتظر عشرات آلاف النازحين سقفا يأويهم، تتقاطع على أرضهم مشاريع الإغاثة مع حسابات التطبيع الإماراتي وترتيبات ما بعد الحرب، في مشهد يعكس تعقيد المرحلة وحدّة الصراع على شكل الغد الفلسطيني.







