اتفاق ضمني بين الإمارات واللوبيات الصهيونية في أمريكا للنيل من السعودية

يكشف التصعيد السياسي والإعلامي الأخير عن تحوّل نوعي في طبيعة الخلاف غير المعلن بين أبوظبي والرياض، بعدما انتقل من ساحات النفوذ الإقليمي إلى قلب العاصمة الأمريكية واشنطن. فلم يعد التنافس بين القوتين الخليجيتين محصورًا في ملفات مثل اليمن أو السودان أو الترتيبات الأمنية في البحر الأحمر، بل تمدد إلى مراكز القرار الأمريكية، حيث تُدار المعارك عبر جماعات الضغط ومؤسسات الفكر والإعلام.
المعطيات المتقاطعة تشير إلى أن الإمارات فعّلت شبكة ضغط سياسية وإعلامية واسعة داخل الولايات المتحدة، مستعينة بجماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل، بهدف التأثير على صناع القرار الأمريكيين وتشويه صورة السعودية. هذا التحرك، بحسب مصادر دبلوماسية، لم يكن عفويًا، بل جاء ضمن حملة منظمة تسعى إلى إعادة صياغة موقع الرياض في الوعي السياسي الأمريكي، في لحظة حساسة تشهد فيها المنطقة إعادة تموضع للتحالفات.
ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها تعبيرًا عن قلق إماراتي متزايد من تحركات سعودية إقليمية، خصوصًا مع سعي الرياض إلى تنويع شراكاتها والانفتاح على قوى إقليمية كانت تُصنّف سابقًا ضمن دوائر التباعد، ما يهدد – وفق هذا التصور – بتقليص هامش النفوذ الذي بنته أبوظبي خلال السنوات الماضية داخل دوائر القرار الغربية.
تحركات العتيبة وتفعيل شبكة الضغط
في صلب هذه الحملة، يبرز اسم السفير الإماراتي في واشنطن، يوسف العتيبة، الذي يُعد أحد أبرز مهندسي العلاقات الإماراتية داخل الولايات المتحدة. فالعتيبة، الذي راكم خلال سنوات شبكة واسعة من العلاقات داخل الكونغرس ومراكز الأبحاث وجماعات الضغط، تحرك – وفق مصادر مطلعة – لتفعيل قنوات اتصال مع منظمات نافذة، بعضها معروف بقربه من اللوبيات المؤيدة لإسرائيل.
وتمحورت الجهود حول الترويج لرواية تتهم السعودية بعدم الاستقرار الإقليمي، وإعادة إحياء سرديات قديمة تتعلق بالخطاب الديني، مع إلباسها لبوسًا سياسيًا جديدًا يتلاءم مع أولويات السياسة الأمريكية الراهنة. كما تشير تقارير إلى ممارسة ضغوط مباشرة وغير مباشرة لإثارة ملف “معاداة السامية” في سياق الحديث عن السعودية، وهو ملف بالغ الحساسية في واشنطن، ويحمل كلفة سياسية وإعلامية مرتفعة لأي جهة يُربط اسمها به.
وتجلّت ملامح هذه الحملة في تصريحات علنية لمسؤولين أمريكيين بارزين، من بينهم السيناتور الجمهوري Lindsey Graham، الذي دافع في أكثر من مناسبة عن سياسات أبوظبي، ووجّه في المقابل انتقادات مباشرة وغير مباشرة للرياض. ويرى مراقبون أن هذه المواقف لا يمكن فصلها عن حراك أوسع داخل الكونغرس ومراكز التفكير، غذّته جهود ضغط إماراتية منظمة.
وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن التنسيق مع جماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل لم يقتصر على الاتصالات السياسية، بل شمل أيضًا تغذية تغطيات إعلامية متزامنة، عبر منصات وشبكات قريبة من هذه الدوائر، بما يخلق بيئة خطابية ضاغطة على السعودية داخل الفضاء الأمريكي.
الإعلام الإسرائيلي وتكريس سردية “الاستقرار الإماراتي”
في هذا السياق، يبرز دور الإعلام الإسرائيلي بوصفه عنصرًا مكملًا لهذه الحملة. فقد عكست تغطيات عدة وسائل إعلام إسرائيلية قلقًا واضحًا من إعادة التموضع السعودي إقليميًا، خاصة في ظل التقارب المتزايد بين الرياض وكل من تركيا وقطر ومصر. وجرى تصوير هذا التقارب باعتباره خطرًا استراتيجيًا يهدد “التوازن القائم”، في مقابل تقديم الإمارات كركيزة للاستقرار وحليف موثوق للغرب.
ويشير محللون إلى أن هذا الخطاب الإعلامي لم يكن بريئًا أو محايدًا، بل جاء منسجمًا مع رؤية محور إماراتي–إسرائيلي يسعى للحفاظ على نفوذه داخل واشنطن، في مواجهة أي محور إقليمي بديل قد تقوده السعودية. فبدل التركيز على الأبعاد السياسية والاقتصادية لإعادة تشكيل التحالفات السعودية، جرى تضخيم سرديات أمنية وأيديولوجية تخدم أجندات محددة.
في المقابل، تحركت الرياض لاحتواء التداعيات عبر تواصل مباشر مع الجهات المعنية في واشنطن، وتقديم رواية مضادة تعتبر هذه الاتهامات ذات دوافع سياسية، وتهدف إلى عرقلة إعادة تموضعها الإقليمي والدولي. وأكدت مصادر قريبة من صناع القرار السعوديين أن المملكة تعمل على إعادة تعريف دورها الإقليمي ضمن مقاربة أكثر توازنًا، بعيدًا عن الاستقطابات الحادة.
واشنطن ساحة المعركة الجديدة
النتيجة النهائية لهذا المشهد هي تصعيد غير مسبوق داخل الخليج، يعيد رسم ملامح العلاقة بين أبوظبي والرياض. فبدل إدارة الخلافات ضمن الأطر الخليجية أو الإقليمية التقليدية، يجري تدويلها ونقلها إلى مراكز القرار الدولية، ما يعكس تحولًا عميقًا في طبيعة التنافس بين الطرفين.
لم يعد الصراع يدور حول الجغرافيا أو الملفات العسكرية فقط، بل حول السرديات والشرعية السياسية داخل المؤسسات الغربية. فواشنطن باتت ساحة أساسية للمواجهة، تُدار فيها المعارك عبر جماعات الضغط، وتُصاغ فيها الاتهامات بعناية، وتُوظف فيها قضايا حساسة مثل “معاداة السامية” لتحقيق مكاسب سياسية.
هذا التحول لا يهدد فقط التوازنات الخليجية، بل ينذر بإدخال المنطقة في مرحلة جديدة من الاستقطاب السياسي والإعلامي، حيث تتقاطع المصالح الخليجية مع حسابات اللوبيات الأمريكية والإسرائيلية. ومع استمرار هذا النهج، يبدو أن الخلاف بين أبوظبي والرياض مرشح لمزيد من التعقيد، في معركة نفوذ تتجاوز حدود المنطقة، وتُحسم فصولها في أروقة الكونغرس ومراكز التفكير والإعلام الأمريكي.






