اتفاق الإمارات والهند: هل تنضم إليه إسرائيل في مواجهة “محور السعودية”؟

وقّعت الإمارات العربية المتحدة والهند، اليوم الاثنين، حزمة اتفاقيات اقتصادية واستراتيجية وُصفت بالأوسع في تاريخ العلاقات الثنائية، في خطوة تتجاوز البعد التجاري لتفتح الباب أمام اصطفافات إقليمية جديدة. 

الاتفاق، الذي جرى خلال زيارة رئيس الإمارات محمد بن زايد إلى نيودلهي ولقائه برئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، يهدف إلى مضاعفة التبادل التجاري إلى 200 مليار دولار بحلول 2032، ويتضمن تعاونًا في الطاقة والدفاع والتقنيات المتقدمة. غير أن القراءة السياسية الأعمق تطرح سؤالًا محوريًا: هل يتحول هذا الاتفاق إلى نواة محور إماراتي-هندي-إسرائيلي في مواجهة ما يُوصف بـ“محور السعودية”؟

أبعاد اقتصادية تتجاوز السوق

من الناحية المعلنة، ركّزت المباحثات على التجارة والطاقة، حيث وقّعت الهند اتفاقًا لاستيراد 500 ألف طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا من الإمارات لمدة عشر سنوات بدءًا من 2028، إلى جانب صفقات في مجالي الفضاء والأمن الغذائي، وتعهدات إماراتية بالاستثمار في ولاية غوجارات عبر مشاريع موانئ ومطارات ومدن ذكية. وزير الخارجية الهندي فيكرام ميسري أكد أن العلاقات “الاستراتيجية الشاملة” بين البلدين شهدت نموًا ملحوظًا خلال العقد الأخير، ما يعكس انتقال التعاون من التجارة التقليدية إلى شراكات سيادية طويلة الأمد.

البعد الدفاعي: الرسالة غير المعلنة

اللافت في الاتفاق هو “خطاب النوايا” لإطار شراكة دفاعية استراتيجية، وهو ما اعتبره الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله “ضربة معلم”، مشيرًا إلى مشاريع متقدمة قد تشمل المجال النووي. هذه الإشارات الدفاعية، حتى وإن صيغت بحذر، تحمل دلالة سياسية واضحة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، خصوصًا مع تصاعد التوتر بين أبوظبي والرياض على خلفية جنوب اليمن.

إسرائيل على الخط: من الظل إلى العلن

الصحافة الإسرائيلية تحدثت صراحة عن توجه حكومة بنيامين نتنياهو لتعميق الشراكة الدفاعية والاقتصادية مع الهند، في ظل تعثر مسار التطبيع مع السعودية. هنا تبرز فرضية تشكّل محور ثلاثي (إماراتي-هندي-إسرائيلي) يستند إلى تقاطع مصالح: الهند تبحث عن عمق أمني في المحيط الهندي-العربي، الإمارات عن تحالفات تعوّض تصدع علاقتها بالرياض، وإسرائيل عن اختراق إقليمي يلتف على مركزية السعودية.

قراءة الإعلام الهندي: اصطفافات بلا أقنعة

صحيفة TV Post الهندية رأت أن التحالف الإماراتي-الهندي-الإسرائيلي يمكن أن يمتد من شرق المتوسط، حيث ترتكز إسرائيل واليونان وقبرص، بما يوازن التعاون التركي-الباكستاني دون “تقسيم حضاري” صريح. في المقابل، اعتبرت أن أي تقارب سعودي-باكستاني دفاعي يمثل تحوّلًا نوعيًا في التفكير الأمني الإقليمي، قائمًا على الردع الجماعي.

أما Eurasia Times فنشرت افتتاحية بعنوان لافت: “رباعي المتوسط: هل تنضم الهند إلى مجموعة 3+1 لمواجهة الناتو الإسلامي؟”، مشيرة إلى شبكة علاقات دفاعية قائمة بين الهند وإسرائيل، وإلى دور الإمارات داخل مجموعة I2U2 التي تضم الولايات المتحدة أيضًا، كمنصة للتعاون الاقتصادي والتكنولوجي بغطاء سياسي-أمني.

“قوس الأزمات”: اتهام مباشر لأبوظبي

في قراءة نقدية أكثر حدّة، اعتبر رئيس تحرير صحيفة الوطن السعودية سليمان العقيلي أن هذه التحركات تندرج ضمن “استراتيجية أبوظبي لمحاصرة المنطقة العربية بنظرية قوس الأزمات”، المستلهمة من أطروحات زبيغنيو بريجنسكي. ووفق هذا الطرح، فإن الإمارات—وبمساعدة خبراء إسرائيليين—تدير الفوضى على أطراف مراكز الثقل العربي، وفي مقدمتها السعودية ومصر، عبر التمركز في عقد الملاحة من باب المندب إلى خليج عدن، ودعم مشاريع انفصالية ومليشيات موازية في اليمن.

من الاقتصاد إلى الجغرافيا السياسية

لا يمكن فصل الاتفاق الإماراتي-الهندي عن السياق الأوسع: تقارب سعودي-تركي-باكستاني متنامٍ، توترات غير مسبوقة بين الرياض وأبوظبي، وحرب إبادة يواصلها الاحتلال الإسرائيلي بدعم سياسي ومالي، لعبت فيه الإمارات دور “الوسيط المطبِّع” الذي يوفّر الغطاء الاقتصادي والأمني. من هنا، يبدو الاتفاق أكثر من صفقة؛ إنه رسالة سياسية لإعادة رسم خرائط النفوذ، ومحاولة لبناء محور مضاد يعوّض إخفاقات التطبيع مع السعودية، ويعيد تموضع الإمارات كفاعل فوق حجمه الطبيعي.

الخلاصة

الاتفاق الإماراتي-الهندي، بصيغته الحالية، يحمل بذور تحالف أوسع قد تنضم إليه إسرائيل بشكل غير معلن أو تدريجي. غير أن هذا المسار يصطدم بتحولات في السياسة السعودية الحديثة، التي تميل إلى تفكيك منطق “إدارة الفوضى” عبر الدبلوماسية الوقائية وإعادة تعريف الأمن القومي. وبين محور يُبنى على الاستثمار في الأزمات، ومحور يسعى إلى الاستقرار، ستتحدد ملامح الإقليم في السنوات المقبلة—على وقع صفقات، وتحالفات، ودور إماراتي متزايد في خدمة أجندات الاحتلال على حساب الأمن العربي.

اقرأ أيضًا : ميليشيا الإمارات تخلي معسكر جبل حديد في عدن.. إعادة تموضع أم إعادة توزيع نفوذ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى