هل تعترف بريطانيا بدولة فلسطين؟ بين الضغوط الداخلية والاصطفاف الأوروبي

أثار تقرير تليغراف الأخير نقاشًا واسعًا في الأوساط السياسية البريطانية والدولية، بعد أن كشفت الصحيفة عن نية رئيس الوزراء كير ستارمر الإعلان عن خطة للاعتراف الرسمي بدولة فلسطين خلال أيام. وبينما تتزايد الضغوط من الداخل البريطاني وخارجها، يبدو أن لندن باتت تقف أمام مفترق طرق استراتيجي في تعاملها مع القضية الفلسطينية، في سياق دولي متغير وأزمة إنسانية غير مسبوقة في غزة.
أولاً: السياق الداخلي – ضغوط الحزب الحاكم
منذ توليه منصب رئاسة الوزراء، واجه كير ستارمر تحديات متزايدة داخل حزب العمال، خاصة من جناحه التقدمي المؤيد للقضية الفلسطينية. وتشير تسريبات إلى أن ثلث نواب الحزب – أي أكثر من 220 نائبًا – وقعوا على رسالة تدعو إلى اعتراف فوري بفلسطين، وهو ما يعكس مزاجًا عامًا داخل البرلمان يرى أن بريطانيا تأخرت كثيرًا في اتخاذ هذه الخطوة.
إضافة إلى ذلك، عبّر عدد من الوزراء في حكومة ستارمر – ومنهم ويس ستريتينج، وشبانة محمود، وهيلاري بن، وليزا ناندي – عن خيبة أملهم من تردد الحكومة في الوفاء بتعهداتها، وسط تصاعد الكارثة الإنسانية في غزة.
ثانيًا: الضغوط الدولية – فرنسا تحرّك المياه الراكدة
إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن عزمه الاعتراف بدولة فلسطين خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر، شكّل ضغطًا مباشرًا على حلفاء باريس الأوروبيين، لا سيما بريطانيا. ويأتي ذلك بعد تنسيق بين باريس ولندن بشأن توقيت الخطوة، وترويج مشترك لمؤتمر حل الدولتين في نيويورك.
الخطوة الفرنسية – بوصفها صادرة عن أول دولة من مجموعة السبع تتجه رسميًا نحو الاعتراف – وضعت بريطانيا في موقف دبلوماسي حساس، خصوصًا مع تنامي الاستياء الشعبي الأوروبي من العدوان الإسرائيلي على غزة، ومطالبات بوقف الدعم غير المشروط لتل أبيب.
ثالثًا: الحسابات السياسية لستارمر
يحاول كير ستارمر لعب دور الوسيط العاقل، حريصًا على إرضاء تيارات مختلفة داخل حزبه وبين حلفائه الغربيين. إذ يربط الاعتراف بفلسطين بوقف إطلاق النار وإطلاق سراح المحتجزين الإسرائيليين، ويؤكد أن الاعتراف لا ينبغي أن يكون خطوة رمزية، بل جزءًا من “حل عملي” يؤدي إلى تطبيق حل الدولتين وضمان الأمن للطرفين.
ورغم تصريحه بأن الاعتراف “أحد مكونات الخطة”، إلا أنه أشار بوضوح إلى أن الحكومة لن تقوم بهذه الخطوة إلا في إطار “اتفاق سلام تفاوضي”، ما خيب آمال جزء كبير من ناخبيه وأنصاره داخل الحزب.
رابعًا: الدلالات السياسية والآفاق المستقبلية
التحرك البريطاني المحتمل لا ينفصل عن الواقع الجيوسياسي الجديد الذي فرضته الحرب الإسرائيلية على غزة، والتي دفعت كثيرًا من الدول الأوروبية إلى إعادة النظر في مواقفها التقليدية. وتكمن أهمية الاعتراف البريطاني – إن تم – في رمزيته الدولية، باعتبار لندن كانت من الدول المؤسسة للوضع القائم بعد وعد بلفور، وهي دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن.
لكنّ الاعتراف أيضًا يظل رهين توازنات دقيقة، أهمها:
- عدم الرغبة في الصدام العلني مع واشنطن، الشريك الأوثق في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.
- محاولة احتواء الغضب الداخلي دون المساس بالعلاقات مع “إسرائيل”.
- إبقاء الباب مفتوحًا أمام دور بريطاني في “مرحلة ما بعد الحرب”، إذا ما فُتح مسار تفاوضي جديد.
خاتمة: فرصة أم مناورة؟
بين الدعوات المتصاعدة والضغوط المتعددة، يبدو أن الاعتراف البريطاني بدولة فلسطين لا يزال يدور في فلك الحسابات السياسية أكثر منه التزامًا مبدئيًا بالقانون الدولي والعدالة التاريخية. لكن في ظل تطورات ميدانية متسارعة، قد تجد بريطانيا نفسها قريبًا أمام لحظة حاسمة: إما استعادة مكانتها كصوت فاعل في الشرق الأوسط، أو البقاء في هامش الأحداث.







