كوربين يفتح “محكمة شعبية” بلندن لمساءلة بريطانيا عن دورها في حرب غزة

في خطوة غير تقليدية، أطلق الزعيم العمالي البريطاني السابق، جيرمي كوربين، يوم الخميس، جلسات “محكمة شعبية” في العاصمة لندن، التي تستمر لمدة يومين، بهدف التحقيق في “تواطؤ” الحكومة البريطانية في الجرائم المرتكبة ضد المدنيين في غزة. المبادرة، التي تبث مباشرة عبر الإنترنت، تُعتبر من أولى المحاولات لاستجواب الدور الذي لعبته لندن في الحرب الدائرة، حيث تسلط الضوء على مسؤوليات بريطانيا القانونية في دعمها للسياسات الإسرائيلية.
الهدف من المحكمة الشعبية
هذه المحكمة الشعبية تأتي في وقت حساس للغاية، في ظل تصاعد القلق الدولي حول تصرفات الحكومة البريطانية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وخاصة في حرب غزة الأخيرة. وقد أطلق كوربين، بمشاركة عدد من الأكاديميين والمختصين في القانون الدولي وحقوق الإنسان، هذا التحقيق الذي يهدف إلى فحص ما إذا كانت الحكومة البريطانية قد قدمت دعماً سرياً لإسرائيل أثناء الحرب، وكذلك للتحقيق في مدى التزامها بواجباتها القانونية في منع الإبادة الجماعية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
الشهادات المثيرة
من بين الشهادات البارزة التي سيقدمها المشاركون في المحكمة، ستظهر شهادة موظف سابق في الخارجية البريطانية الذي سيعمل بصفته “مبلّغاً عن مخالفات”، وهو ما قد يكشف عن معلومات حاسمة بشأن التورط البريطاني. كما ستُعرض شهادات إنسانية وطبية من شخصيات عملت في غزة خلال الحرب، مثل الجراح البريطاني نيك ماينارد، الذي يقدم رؤيته حول الوضع الصحي في غزة تحت الحصار. بالإضافة إلى ذلك، سيشارك صحفيون فلسطينيون، مثل أبو بكر عبد ويوسف الحلو، ممن كانوا في قلب الأحداث الميدانية، ليتحدثوا عن تجربتهم الخاصة مع الهجمات العسكرية الإسرائيلية.
أيضاً، سيقدم الدكتور راز سيغال، المؤرخ الإسرائيلي المعروف، رؤية أكاديمية حول توثيق الانتهاكات في غزة، حيث سبق له أن وصف سياسات إسرائيل في غزة والضفة الغربية بأنها “حالة مدرسية للإبادة الجماعية”. هذا التصريح يعكس المدى الذي وصلت إليه انتقادات المجتمع الأكاديمي والسياسي حول التصرفات الإسرائيلية.
التهم الموجهة لبريطانيا
فيما تدافع الحكومة البريطانية عن موقفها، مؤكدّة أنها فرضت حظراً على تصدير الأسلحة لإسرائيل باستثناء بعض أجزاء من طائرات “إف-35″، وأوقفت محادثات الشراكة التجارية وفرضت عقوبات على وزراء في حكومة نتنياهو، فإن المحكمة الشعبية تتطرق إلى اتهامات خطيرة بشأن دور بريطانيا في دعم الحملة العسكرية الإسرائيلية. من بين الاتهامات، وجود تقارير تُشير إلى أن طائرات الاستطلاع البريطانية قد قدمت معلومات استخبارية ساعدت في توجيه الحملة العسكرية ضد غزة.
فضلاً عن ذلك، يستعرض التحقيق أيضاً صلات محتملة بين وزارة الدفاع البريطانية وصناعة السلاح الإسرائيلية، وهو ما يعزز الشعور بالقلق حول التواطؤ البريطاني في تسليح إسرائيل، ما قد يكون قد أسهم في تصعيد العنف ضد المدنيين الفلسطينيين.
التصعيد الفلسطيني
إلى جانب المحاكمة الشعبية، صعّد رئيس البعثة الفلسطينية في لندن، د. حسام زملط، من لهجته مطالباً الحكومة البريطانية باتخاذ خطوات أكثر جرأة في التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي. وطلب زملط من لندن فرض حظر على استيراد منتجات المستوطنات غير الشرعية، وسحب الإعفاءات من التأشيرات الممنوحة للمستوطنين الإسرائيليين، بالإضافة إلى التحقيق مع البريطانيين مزدوجي الجنسية الذين يخدمون في الجيش الإسرائيلي.
وفي هذا السياق، اعتبر زملط أن “الإجراءات التي اتخذتها بريطانيا حتى الآن نصفية ولا ترقى إلى خلق ضغط حقيقي”، مشيراً إلى أن لندن “ملزمة قانونياً بوقف الإبادة والضم، والاعتراف بدولة فلسطين”. ومن المتوقع أن تُطرح مسألة الاعتراف بدولة فلسطين هذا الشهر في مؤتمر أممي في نيويورك، حيث يُتوقع أن تدعم بريطانيا الإعلان.
دعوات للمراجعة ومواقف غربية
على الرغم من أن هذه المحكمة الشعبية ليست رسمية ولا تحمل أي تأثير قانوني، فإنها تمثل خطوة مهمة في محاسبة بريطانيا على ما وصفه العديد من النقاد بالتواطؤ مع إسرائيل. ورغم موقف كوربين والضغط الشعبي، لا تزال الحكومة البريطانية ترفض أي مراجعة جدية لمواقفها حيال الحرب، مما يعكس حالة من الجمود الدبلوماسي.
وفي السياق ذاته، وصف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز موقف الغرب من حرب غزة بأنه “أحلك لحظة في دبلوماسية القرن الحادي والعشرين”، وهو ما يعكس الاستياء الأوروبي من السياسات الغربية في الشرق الأوسط.
خلاصة
تظل محكمة كوربين الشعبية علامة فارقة في الجهود التي تبذلها القوى السياسية والاجتماعية في المملكة المتحدة للمطالبة بمحاسبة الحكومة البريطانية على دورها في دعم الحرب على غزة. على الرغم من أن التحقيق قد لا يؤدي إلى تغييرات فورية، فإنه يشير إلى تحول في موقف الجمهور البريطاني من السياسة الخارجية لحكومتهم، ويؤكد على الحاجة إلى المزيد من الشفافية والمحاسبة فيما يتعلق بالتواطؤ المحتمل في الجرائم المرتكبة ضد الفلسطينيين.






