“فورين بوليسي”: كيف تحولت إسرائيل من دولة محمية إلى منبوذة عالميًا بسبب حرب غزة؟

نشرت مجلة فورين بوليسي الأمريكية مقالًا للكاتب ديفيد إي. روزنبرغ، المحرر الاقتصادي في صحيفة “هآرتس” العبرية، تناول فيه التحول المتسارع في صورة إسرائيل الدولية، حيث أشار إلى أن حرب غزة الأخيرة تسببت في اقتراب إسرائيل من العزلة التي طالما خشيت الوقوع فيها.
يقول روزنبرغ إن “إسرائيل” – الدولة الصغيرة التي تعتمد بشكل كبير على التجارة والاستثمار الأجنبي، وتعتبر نفسها جزءًا من عائلة الديمقراطيات الغربية – أصبحت أقل قدرة على مواجهة العقوبات والاستنكار العالمي من دول مثل روسيا أو إيران، نظرًا لاعتمادها الهيكلي على الدعم الغربي، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.
ورغم أن هذه المخاوف من العزلة ظلت حاضرة في العقل الإسرائيلي لعقود، فإنها بدأت تأخذ شكلًا ملموسًا خلال الأسبوعين الأخيرين، بعد استئناف العدوان على غزة، ومنع إدخال المساعدات الإنسانية.
أوروبا تقود موجة الضغوط
المقال أشار إلى أن التحذير الأكثر وضوحًا جاء من الاتحاد الأوروبي، الذي أعلن يوم 20 مايو عن مراجعة شاملة لاتفاقية الشراكة مع إسرائيل، والتي تشمل امتيازات تجارية واتفاقيات استثمار. وفي اليوم ذاته، علّقت بريطانيا مفاوضاتها بشأن اتفاقية تجارة حرة ثنائية. كما قامت إسبانيا بالدعوة إلى فرض حظر شامل على تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، وألغت بالفعل صفقة بقيمة 285 مليون يورو.
وتوقفت عدة دول أوروبية عن توريد الأسلحة أو جمّدت تراخيص التصدير، بينما أصدرت حكومات أوروبية صديقة لإسرائيل، مثل ألمانيا، انتقادات غير معتادة لتجدد العمليات العسكرية في غزة.
واشنطن لم تعد الدرع الصلب
وعلى الرغم من استمرار الدعم الأمريكي على الورق – خصوصًا فيما يتعلق بتوريد الأسلحة – إلا أن المقال يُبرز تآكل الأولوية الإسرائيلية في أجندة إدارة ترامب الثانية، إذ فضّل ترامب التفاوض مع إيران بدلًا من قصف منشآتها، وأعاد العلاقات مع دمشق، وسعى لهدنة مع الحوثيين، في خطوات تجاهلت المطالب الإسرائيلية.
كما أن زيارة ترامب الرفيعة إلى دول الخليج سلطت الضوء على توجه جديد في السياسة الأمريكية: تعزيز التجارة والاستقرار وتجنب المواجهات العسكرية التي يسعى نتنياهو لإشعالها.
الموقف الشعبي الغربي يتغير
واعتبر روزنبرغ أن الرأي العام في الولايات المتحدة وأوروبا يشكل خطرًا متزايدًا على صورة إسرائيل. فوفقًا لاستطلاعات “غالوب”، تراجعت نسبة الأمريكيين المتعاطفين مع إسرائيل، وارتفعت نسبة من يتعاطفون مع الفلسطينيين، خاصة بين الشباب.
في أوروبا، لم تكن الصورة أفضل؛ ففي ألمانيا – الدولة الأوروبية الأكثر دعمًا لإسرائيل تاريخيًا – أظهر استطلاع لمؤسسة “بيرتلسمان” أن 36% فقط من الألمان ينظرون إلى إسرائيل بشكل إيجابي، مقارنة بـ46% قبل أربع سنوات.
وأوضح المقال أن الدمار الهائل في غزة لعب دورًا كبيرًا في هذا التحول، خاصة في الأوساط الأكاديمية والإعلامية والمنظمات غير الحكومية التي باتت ترى في إسرائيل دولة خارجة عن القانون الإنساني والدولي.
الشرق الأوسط يتغير… وإسرائيل تفقد ميزتها
تناول المقال أيضًا التحولات في ديناميكيات الشرق الأوسط، حيث يشير إلى أن قادة المنطقة الجدد يسعون لبناء اقتصاد إقليمي قائم على التجارة والتكنولوجيا بدلًا من الصراعات، وهو ما قد يجعل الدور الإسرائيلي العسكري والأمني عبئًا بدلًا من كونه قيمة مضافة في التحالفات الإقليمية الجديدة.
ومع احتمال تراجع الأهمية الاستراتيجية لإسرائيل، لن تكون واشنطن بنفس الحماس لحمايتها من العقوبات الأوروبية، بل قد تخفض حتى مساعداتها مع نهاية الإطار الحالي في 2028، خاصة في ظل موقف ترامب المعادي للمساعدات الخارجية.
هل تنجو إسرائيل من الانهيار الدبلوماسي؟
يخلص المقال إلى أن التغيير الوحيد القادر على كبح تدهور مكانة إسرائيل الدولية هو سقوط حكومة نتنياهو، وصعود ائتلاف أكثر اعتدالًا. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن هذا السيناريو مرجح، في حال إجراء انتخابات مبكرة. لكن طالما أن نتنياهو وحلفاءه يصرون على البقاء في الحكم، فإن الطريق نحو العزلة الدولية قد يصبح غير قابل للرجوع.
وبذلك، فإن إسرائيل التي كانت تُقدم لسنوات كـ”ديمقراطية محمية” في قلب الشرق الأوسط، أصبحت اليوم، بسبب سياساتها في غزة، دولة أقرب إلى أن تكون منبوذة، لا شريكة.






