“صدمة البقاء”.. هل تُفجّر الأزمات النفسية جيش الاحتلال من الداخل؟

66 ألف استغاثة نفسية وشعور عميق بـ”ذنب النجاة” بين الجنود الإسرائيليين بعد حرب غزة
بعد أكثر من 600 يوم على انطلاق عملية “طوفان الأقصى”، تتكشف أبعاد جديدة للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، ليست في ساحات القتال أو في ميدان السياسة، بل في عمق النفوس الإسرائيلية، حيث يعيش عشرات الآلاف من الجنود الصهاينة أزمة نفسية حادة تتفاقم بصمت، وسط مشاعر متطرفة من الألم، الذنب، والعجز. أرقام صادمة: 66 ألف نداء استغاثة.. و”البقاء على قيد الحياة” أصبح عبئًا
كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية عن تقرير صادم أعده مراسلها أور هدار، نقلاً عن جمعية “عيران” للدعم النفسي الطارئ (ERAN)، أوضحت فيه أن مراكزها تلقت أكثر من 66 ألف استفسار من جنود نظاميين واحتياطيين وعائلاتهم، في ظاهرة متزايدة تُوصف بأنها “أزمة نفسية وطنية”.
وفي مشهد درامي يعكس عمق الانهيار الداخلي، صرّح أحد الجنود بأنه يتمنى لو مات في غزة، لأن شعوره بالذنب لبقائه حيًا ولطلبه المساعدة صار لا يُحتمل، بينما عبّر آخرون عن معاناة من صراعات داخلية وصلت إلى صراخ على الأطفال أو الشعور بالتقصير مع الشريك.
ما وراء “ذنب الناجين”: الحرب التي لا تنتهي في عقول الجنود
يُعد “ذنب الناجين” مصطلحًا نفسيًا يُطلق على من يشعر بالذنب لأنه نجا من كارثة لم ينجُ منها آخرون. لكنه الآن، وفق المديرة المهنية لجمعية ERAN، يتحول إلى ظاهرة جماعية داخل الجيش الإسرائيلي، الذي خاض أطول وأكثر الحروب دموية وإرباكًا في تاريخه.
المثير أن هذه المشاعر ليست مرتبطة فقط بالنجاة من الموت، بل أيضًا بـ”العودة إلى حياة بلا معنى”، كما وصفها بعض الجنود الذين خسروا وظائفهم، وتحطّمت حياتهم العائلية، ويشعرون بالعبء المالي والإنساني على ذويهم.
أرقام دقيقة تكشف خارطة الانهيار النفسي
توزيع المكالمات التي وردت إلى جمعية ERAN يُظهر بوضوح صورة قاتمة:
- 31% من المكالمات تتعلق بالشعور بالوحدة.
- 25% تتعلق بالاكتئاب والألم النفسي الحاد.
- 20% مرتبطة بمشاكل العلاقات الاجتماعية والتربية.
- 4% تتعلق بالعنف والاعتداء الجنسي.
- 3% مرتبطة بالتوظيف والضائقة الاقتصادية.
- 3% تتعلق بمشاعر انتحارية، وهي نسبة مقلقة في سياق عسكري.
وبحسب البيانات، فإن الفئة العمرية 25-34 عامًا كانت الأكثر تضررًا، تليها الفئة الشابة 18-24 عامًا، ما يؤكد أن الأزمة تضرب جيلًا كاملاً ممن كان يُفترض أن يشكل “عماد الدفاع” عن الكيان.
شهادات من الداخل: “الاستماع وحده صار علاجًا”
المتطوعة “نوريت”، التي تعمل منذ 3 سنوات في خط الطوارئ، أكدت أن بعض المتصلين كانوا في حالة هلع شديد، ويحتاجون فقط لمن “يعترف بوجود ألمهم”، مشيرة إلى أن مجرد الإنصات تحول إلى حاجة ملحة لإنقاذ الأرواح.
هل يقف الاحتلال على حافة “تفكك معنوي”؟
في المشهد العام، لا يمكن فصل هذا الانهيار النفسي عن السياق السياسي والعسكري:
- الحرب المستمرة على غزة تحولت إلى عبء وجودي، بلا نصر حاسم ولا انسحاب مشرّف.
- الضغط الاجتماعي والاقتصادي ينهك الداخل الإسرائيلي، من ارتفاع الأسعار إلى العزلة الدولية.
- فقدان الثقة بالقيادة السياسية والعسكرية زاد من الشعور باللا جدوى.
يُضاف إلى ذلك اتساع حالة “الإنكار القومي” التي تحوّل الجندي إلى أداة في صراع عبثي لا يعرف متى ينتهي.
أزمة تتجاوز العلاج النفسي.. وتضرب العقيدة العسكرية
التحليل الأهم ليس فقط في ارتفاع عدد المكالمات أو نسبة الاكتئاب، بل في التحول العميق داخل العقيدة القتالية لجيش الاحتلال. الجيش الذي طالما تفاخر بـ”تفوقه المعنوي” بات يواجه تآكلًا داخليًا غير مسبوق.
إنها ليست مجرد أزمة نفسية، بل هشاشة نفسية جماعية قد تكون أول مؤشر على تآكل استمرارية هذا الجيش في حروبه المستقبلية، لا سيما إذا استمرت المقاومة في استنزافه على الأرض، بينما تنهشه أزماته من الداخل.







