شعارات في العلن.. شراكات في الخفاء: هل وقعت الجزائر في فخ “التطبيع المقنّع”؟

لطالما قدّمت الجزائر نفسها كواحدة من أكثر الدول العربية رفضًا للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، حيث لا يفوّت الرئيس عبد المجيد تبون مناسبة إلا ويؤكد فيها “أن القضية الفلسطينية مقدسة، وأن أي اعتراف بإسرائيل هو خيانة”.
لكن في مفارقة مثيرة للجدل، وقّعت الجزائر مؤخرًا صفقة كبرى مع شركة “شيفرون” الأمريكية، التي تُعد من أبرز الشركاء الاستراتيجيين للاحتلال في مجال الغاز والطاقة.

هذا التقرير التحليلي يسلّط الضوء على ازدواجية الموقف الجزائري بين الشعارات السياسية والتحركات الاقتصادية، ويطرح تساؤلًا جوهريًا:
هل رفض التطبيع مجرد غطاء لسياسات براغماتية تخدم المصالح؟

أولًا: من هي “شيفرون”؟ ولماذا تُعد شريكًا لإسرائيل؟

تُعد “شيفرون” واحدة من أكبر شركات الطاقة في العالم، وقد دخلت بقوة في سوق الغاز الإسرائيلي بعد استحواذها على شركة نوبل إنيرجي، التي تدير حقول الغاز الكبرى قبالة السواحل الفلسطينية المحتلة، مثل حقل ليفياثان وتمار.

أبرز ارتباطات شيفرون بإسرائيل:

  • استثمارات مباشرة بمليارات الدولارات في البنية التحتية للطاقة داخل الأراضي المحتلة.
  • تصدير الغاز الإسرائيلي إلى دول أوروبية وآسيوية، بما فيها مصر والأردن.
  • تعاون استراتيجي مع الحكومة الإسرائيلية ضمن “منتدى غاز شرق المتوسط”.

وبالتالي، فإن أي شراكة مع “شيفرون” تضع الطرف الآخر في موقع شراكة غير مباشرة – لكنها فعلية – مع إسرائيل.

ثانيًا: الجزائر تهاجم التطبيع.. وتوقّع شراكة مع شركاء الاحتلال

رغم الخطاب السياسي المتكرر من تبون حول “رفض التطبيع بكل أشكاله”، فإن توقيع الصفقة مع شيفرون يُشكل تناقضًا فاضحًا في السياسة الجزائرية، خاصة وأن الاتفاق يتعلق بقطاع الغاز، وهو نفسه المجال الذي تهيمن عليه إسرائيل عبر شيفرون في شرق المتوسط.

دلالات الصفقة:

  • الجزائر تسعى لتوسيع صادراتها من الغاز إلى أوروبا في ظل الطلب المتزايد بعد الحرب في أوكرانيا.
  • شيفرون تبحث عن موطئ قدم أكبر في شمال أفريقيا لتعزيز هيمنتها على سوق الغاز في المتوسط.
  • النتيجة: تشابك اقتصادي بين الجزائر وشريك اقتصادي رئيسي لإسرائيل.

ثالثًا: ازدواجية المواقف.. بين الخطاب الشعبوي والمصالح الجيوسياسية

يرى مراقبون أن الحكومة الجزائرية تمارس نفاقًا سياسيًا ممنهجًا، حيث:

  • تهاجم الدول العربية التي وقعت اتفاقيات تطبيع رسمية، مثل المغرب والإمارات.
  • تروّج لخطاب إعلامي “مقاوم” يُشيد بالمقاومة الفلسطينية.
  • وفي الوقت نفسه، تُبرم صفقات مع كيانات اقتصادية لها علاقات معلنة وفاعلة مع تل أبيب.

هذا التناقض يضع مصداقية الجزائر السياسية على المحك، ويثير تساؤلات جدية حول جوهر موقفها من القضية الفلسطينية.

رابعًا: ماذا يقول الشارع والمحللون؟

أثارت الصفقة مع شيفرون حالة من الغضب والاستياء في أوساط النشطاء والمحللين، حيث وصفها البعض بأنها “تطبيع اقتصادي مغلّف”.
وجاءت أبرز المطالبات موجهة إلى الحكومة الجزائرية بـ:

  • الشفافية السياسية وتوضيح طبيعة العلاقة مع شيفرون.
  • التحقيق في خلفيات الصفقة والآثار الاقتصادية والسياسية المترتبة عليها.
  • وقف استغلال القضية الفلسطينية كأداة دعائية بينما تُعقد صفقات مع داعمي الاحتلال.

خامسًا: التطبيع لم يعد مجرد توقيع رسمي

في سياق التطورات الجيوسياسية، لم يعد التطبيع مقتصرًا على التوقيع العلني لاتفاقيات سياسية، بل بات يشمل:

  • التطبيع الاقتصادي والتجاري عبر الشركات المتعددة الجنسيات.
  • التطبيع الإعلامي والثقافي من خلال الروايات الرسمية والمواقف المتناقضة.
  • التطبيع الصامت الذي يتم عبر وسطاء اقتصاديين دون إعلان رسمي.

وبالتالي، فإن الصفقة الجزائرية–الأمريكية مع شيفرون تقع ضمن هذا الشكل المستحدث من التطبيع الذي لا يُعلن لكنه قائم بقوة في الواقع.

الجزائر أمام اختبار حقيقي بين ما تعلنه وما تفعله.
ففي الوقت الذي ترفع فيه شعارات رنانة ضد التطبيع، تمد يدها لشركات لها ارتباط استراتيجي مع دولة الاحتلال، ما يطرح تساؤلًا وجوديًا حول صدقية هذا الخطاب وفعاليته.

هل تطبّع الجزائر دون أن تقول؟
أم أن البراغماتية الاقتصادية ستسحق ما تبقى من المبادئ؟
الشارع العربي يراقب… والمحاسبة آتية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى