سوريا تحذّر من “مخطط إسرائيلي” لإعادة رسم المشهد بعد سقوط الأسد

في أول خطاب رسمي قوي منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد أواخر عام 2024، وجه المندوب السوري لدى الأمم المتحدة، قصي الضحاك، اتهامات مباشرة لإسرائيل بمحاولة استغلال المرحلة الانتقالية في سوريا لفرض “واقع احتلالي جديد”. جاءت هذه التصريحات خلال جلسة لمجلس الأمن لمناقشة “الحالة في الشرق الأوسط”، وسط تصعيد إسرائيلي لافت في الجنوب السوري، لاسيما في محافظة السويداء، تحت ذريعة “حماية الدروز”.

أولًا: الاعتداءات الإسرائيلية… ما وراء التصعيد؟

منذ سقوط الأسد، شنت إسرائيل سلسلة من الغارات الجوية المكثفة على مواقع في سوريا، استهدفت منشآت عسكرية وبنى تحتية، وأسفرت عن مقتل وإصابة مدنيين وعسكريين. وتُرجمت هذه الاعتداءات – بحسب الضحاك – كمحاولة من “كيان الاحتلال لإذكاء الفتنة وخلق واقع جديد”، مستغلاً التوترات الداخلية، لا سيما في الجنوب السوري.

وقد ربط المندوب السوري هذا التصعيد برغبة إسرائيل في “ضرب الوحدة الوطنية” و”عرقلة جهود إعادة الاستقرار”، وهي قراءة تستند إلى أن الهجمات جاءت في توقيت حساس سياسيًا وأمنيًا، حيث تحاول الحكومة الانتقالية الجديدة بسط سيطرتها على كامل التراب السوري.

ثانيًا: السويداء بين اضطراب داخلي وتوظيف خارجي

شهدت محافظة السويداء اشتباكات دموية بين عشائر بدوية ومجموعات درزية في يوليو الجاري، انتهت مؤقتًا باتفاق وقف إطلاق نار في 19 تموز، هو الرابع من نوعه خلال أسابيع. وبينما تنشغل الحكومة الجديدة باحتواء الأزمة، اتخذت إسرائيل هذه الأحداث ذريعة لتوسيع عملياتها العسكرية تحت شعار “حماية الأقليات”، وفق الخطاب الإسرائيلي الرسمي.

لكن خطاب الضحاك في مجلس الأمن فند هذه المزاعم، مؤكدًا أن الحكومة السورية “ترفض استغلال الاحتلال لهذه الأحداث لشن عدوان على أراضيها”، في إشارة إلى أن التدخل الإسرائيلي لا يستهدف حماية الدروز، بل فرض معادلات ميدانية جديدة تخدم أجندة تل أبيب.

ثالثًا: الجولان والمنطقة العازلة.. أطماع تتجدد

منذ عام 1967، تحتل إسرائيل معظم هضبة الجولان السورية، لكنها – وفق الضحاك – استغلت الوضع السوري الجديد بعد سقوط الأسد لتتجاوز خطوط وقف إطلاق النار وتتوغل في “المنطقة العازلة”، معلنة عمليًا انهيار اتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974 برعاية الأمم المتحدة.

ويعني ذلك أن إسرائيل تسعى – بحسب القراءة السورية – إلى تثبيت وجود عسكري مباشر أو غير مباشر في الجنوب السوري، ربما استعدادًا لإعادة ترسيم الواقع الحدودي، في وقت تنشغل فيه دمشق بإعادة ترتيب الداخل.

رابعًا: موقف الحكومة الانتقالية – رسائل داخلية ودولية

المندوب السوري حرص في كلمته على توجيه عدة رسائل:

  1. للداخل السوري: بالتأكيد على التزام الحكومة بضبط الأمن، وملاحقة مرتكبي الانتهاكات في السويداء، واستمرار العمل على إعادة تأهيل المرافق الحيوية رغم التحديات.
  2. للمجتمع الدولي: بطلب إدانة الاعتداءات الإسرائيلية، والدعوة إلى تنفيذ قرارات مجلس الأمن المتعلقة بانسحاب إسرائيل من الجولان.
  3. للوكالات الدولية: بالإشارة إلى تنسيق ناجح في إجلاء الرعايا الأجانب وموظفي الأمم المتحدة من مناطق النزاع، ما يعكس رغبة الحكومة في الظهور كطرف مسؤول يمكن التعاون معه.

خاتمة: هل تنجح دمشق في حماية الجنوب؟

تواجه الحكومة السورية الانتقالية اختبارًا معقدًا في الجنوب: فبين تحديات الانقسام المجتمعي في السويداء، ومحاولات إسرائيلية لاستثمار التوترات، ومعركة استعادة الثقة داخليًا وخارجيًا، يبدو أن معركة ما بعد الأسد لا تزال في بدايتها.

وبينما تتحرك دمشق لتثبيت سلطتها وإعادة بناء شرعيتها، فإن نجاحها في تحييد التدخلات الإسرائيلية، وضبط الجنوب، وإعادة تقديم نفسها كشريك موثوق دوليًا، سيحدد مستقبل سوريا في مرحلة ما بعد الحرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى