رادار إسرائيلي في بونتلاند.. كيف تنسج الإمارات شبكة عسكرية استخباراتية في القرن الأفريقي؟

في خطوة جديدة تؤكد تعاظم الدور العسكري والأمني للإمارات في القرن الأفريقي، كشف موقع Middle East Eye البريطاني عن نشر رادار عسكري إسرائيلي الصنع في منطقة بونتلاند الصومالية من قبل أبوظبي، في إطار ما يبدو أنه مهمة استخباراتية دفاعية متشابكة تتعلق بنقل السلاح إلى قوات الدعم السريع في السودان، ومواجهة التهديدات من الحوثيين في اليمن.

هذه الخطوة ليست فقط ذات دلالات استراتيجية إقليمية، بل تكشف أيضًا عن حجم التغلغل الإماراتي داخل دول مفككة مثل الصومال، وعن استخدام أدوات إسرائيلية لتحقيق أهداف أمنية في منطقة ملتهبة، ما يطرح تساؤلات مقلقة حول شرعية التحركات وأبعادها السياسية والعسكرية.

الرادار الإسرائيلي.. ما طبيعته ولماذا الآن؟

الرادار الذي تم تركيبه قرب مطار بوساسو هو من طراز ELM-2084 3D، وهو رادار نشط متعدد المهام من إنتاج شركة Elta Systems التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية، ويُستخدم في أنظمة الدفاع الجوي مثل “القبة الحديدية”.

أهمية هذا الرادار تكمن في:

  • رصد الطائرات المسيّرة والصواريخ بدقة عالية.
  • تقديم إنذار مبكر لأي تهديدات جوية، خاصة من اليمن.
  • تأمين المطار الذي تستخدمه الإمارات كقاعدة لوجستية لدعم قوات الدعم السريع السودانية.

بحسب المصادر، تم نشر هذا النظام إما أواخر العام الماضي أو في مارس/آذار، تزامنًا مع تراجع قوات الدعم السريع في السودان وخسارتها معظم الخرطوم، وهو ما يربط بين تركيب الرادار والتحولات في موازين القوى داخل الحرب السودانية.

مطار بوساسو.. محور لنقل السلاح إلى دارفور

تفيد بيانات الطيران وتقارير الميدان أن الإمارات تستغل مطار بوساسو بشكل متزايد في:

  • إرسال شحنات أسلحة وذخائر ضخمة إلى قوات الدعم السريع، والتي تُتهم بارتكاب انتهاكات جسيمة في السودان.
  • إرسال طائرات شحن عملاقة تصل أحيانًا إلى خمس دفعات في المرة الواحدة.
  • إعادة نشر جنود مرتزقة (من كولومبيا وفقًا لبعض المصادر) عبر بوساسو إلى السودان.

هذه العمليات تتم دون علم أو موافقة الحكومة الفيدرالية في مقديشو، بل وحتى بدون إبلاغ برلمان بونتلاند، ما يجعل من المسار بأكمله صفقة سرية خارج الأطر الدستورية والسيادية.

الصومال.. الدولة المفككة في قبضة اللاعبين الإقليميين

ما يزيد الوضع تعقيدًا هو طبيعة العلاقة بين بونتلاند والإمارات:

  • بونتلاند هي منطقة شبه مستقلة بحكم الواقع، تستفيد من ضعف المركز في مقديشو.
  • حاكمها سعيد عبد الله ديني يُعرف بتحالفه الوثيق مع أبوظبي، ويُعتقد أنه يسعى إلى دعم إماراتي في انتخابات الرئاسة الصومالية 2026.
  • الإمارات تضخ دعمًا ماليًا وأمنيًا مباشرًا لديني، وهو ما يُنظر إليه كمحاولة لتطويع بونتلاند لخدمة الأجندة الإماراتية في المنطقة.

كما أن نشاط أبوظبي في أرض الصومال الانفصالية، وتقديمها لرئيس الإقليم بروتوكولات رئاسية رسمية، عمّق الأزمة مع مقديشو، ما دفع وزير الخارجية الصومالي أحمد محمد فقي إلى مطالبة الإمارات علنًا بالكف عن “التعامل مع رؤساء الأقاليم كقادة دول”.

الأبعاد الإقليمية.. من دارفور إلى تل أبيب

التحرك الإماراتي في بونتلاند لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع:

  1. دعم مباشر لقوات الدعم السريع، المتهمة بارتكاب مجازر في دارفور، والموضوعة في دائرة الاتهام أمام محكمة العدل الدولية من قبل الحكومة السودانية.
  2. مواجهة محتملة للحوثيين في اليمن، خاصة مع تنامي استهدافهم للمصالح الإماراتية.
  3. تعزيز التعاون العسكري مع إسرائيل، إذ أن استخدام رادار إسرائيلي الصنع يشير إلى تنسيق عسكري-تقني متقدم، يتجاوز مرحلة التطبيع السياسي إلى شراكة أمنية ميدانية.

ماذا يعني هذا التحرك؟

يمكن تلخيص دلالات نشر الرادار الإسرائيلي في الصومال ضمن النقاط التالية:

  • تكريس الحضور العسكري الإسرائيلي خارج حدود الكيان الصهيوني، برعاية وتمويل إماراتي.
  • توسيع دور الإمارات كقوة إقليمية تعتمد على “أمننة” تحالفاتها في أفريقيا واليمن والسودان.
  • ضرب لسيادة الصومال، وتأكيد لحالة الانقسام السياسي العميق بين المركز والأقاليم.
  • مؤشر خطير على عسكرة البحر الأحمر وخليج عدن، وربطها بصراعات متعددة الأطراف (اليمن، السودان، إثيوبيا، والقرن الأفريقي عمومًا).

الإمارات، عبر نشر رادار إسرائيلي في قلب القرن الأفريقي، لم تكتف بلعب دور سياسي واقتصادي في المنطقة، بل أصبحت طرفًا عسكريًا فاعلًا ينقل السلاح، ويدير المعارك، ويراقب السماء بأدوات إسرائيلية.

ما يحدث في بونتلاند ليس إلا حلقة من مشروع أوسع لتحويل الموانئ والمطارات إلى قواعد أمامية في حرب إقليمية بالوكالة، قد تكون أهدافها في الظاهر “حماية المصالح”، لكنها في الجوهر تعمّق الانقسام، وتغذي الصراعات، وتنتهك سيادة دول ضعيفة في غياب رقابة أو مساءلة دولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى