حين يصبح التعاطف تهمة.. “السيدة راشيل” وأطفال غزة تحت نيران الاستقطاب

في زمن تتزايد فيه الرقابة الأخلاقية على أبسط تعبيرات التضامن الإنساني، وجدت مقدّمة برامج الأطفال الأمريكية الشهيرة، راشيل أكورسو، نفسها في مرمى نيران الجدل، لا لأنها أبدت موقفًا سياسيًا، بل لأنها قررت ببساطة دعم الأطفال الذين أنهكتهم الحروب… ومن بينهم أطفال غزة.
راشيل، المعروفة عالميًا ببرنامجها التعليمي Songs for Littles الذي يتابعه أكثر من 14 مليون مشترك، أعلنت دعمها لحملة تبرعات لصالح منظمة “أنقذوا الأطفال”، والتي تشمل مساعدات لأطفال يعانون من ويلات النزاعات في أوكرانيا، والسودان، والكونغو، وقطاع غزة. الحملة، التي اجتذبت تبرعات كبيرة خلال ساعات، قوبلت بإشادة واسعة من جمهورها، إلى أن ظهرت “الكلمة المحرّمة”: غزة.
حملة إنسانية… وردّ عدائي
رغم أن المبادرة خلت تمامًا من أي تصريح سياسي، إلا أن مجرد إدراج اسم غزة في قائمة المستفيدين، كان كافيًا لإشعال موجة هجوم شرس على راشيل، تضمن اتهامات بـ”التعاطف مع حماس” و”تجاهل معاناة الأطفال الإسرائيليين”. وسرعان ما تحوّلت الحملة إلى عاصفة إلكترونية، دفعت راشيل لتعطيل التعليقات على بعض حساباتها.
في المقابل، لم تتراجع راشيل، بل ظهرت في مقطع مؤثر عبر إنستغرام، مؤكدة أن دعم الأطفال لا علاقة له بالسياسة، وأن رسالتها هي “تخفيف الألم، لا تأجيج الانقسام”. وقالت: “قلبي مع كل طفل يتألم، في غزة أو إسرائيل أو أي مكان في العالم”.
الاستقطاب الأخلاقي في زمن الحروب
القصة ليست مجرد جدل عابر على مواقع التواصل، بل تعبّر عن عمق الاستقطاب الأخلاقي الذي بات يطبع المواقف الإنسانية نفسها. فمجرد التعاطف مع ضحايا حرب معينة – حتى الأطفال – أصبح يُخضع صاحبه لاختبار الولاءات السياسية. لم تكن راشيل أول من يواجه هذا المصير، لكنها ربما كانت من بين القلائل الذين قرروا الثبات والمضي في الرسالة.
ومن المثير للسخرية أن تُدان مقدّمة برامج أطفال بتهمة “التحيّز السياسي” لمجرد دعمها لحملة إنسانية، بينما يمر القصف اليومي على غزة مرور الكرام في الإعلام الغربي، رغم تجاوز عدد الضحايا، وفق الأمم المتحدة، 35 ألفًا – معظمهم من النساء والأطفال.
حين تتجاوز أغنية للأطفال الانقسامات
في محاولة لاستعادة رسالتها الأصلية، أطلقت راشيل لاحقًا أغنية للأطفال تدعو فيها إلى السلام، وإنهاء الألم لكل طفل حول العالم. كانت كلماتها بسيطة، لكن وقعها عميق: “السلام لكل طفل. لنصنع عالمًا أفضل، دون خوف، دون ألم”.
ربما كانت هذه الأغنية أصدق ردّ على من أرادوا جرّها إلى معركة لم تخترها، وأبلغ تعبير عن أن الطفولة يجب أن تبقى خارج حسابات الحرب والكراهية.







