تطبيع بن سلمان.. اندفاع خطير نحو تل أبيب على حساب فلسطين

في تطور جديد يكشف عمق الانزلاق السعودي نحو التحالف العلني مع الاحتلال، فجّرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية موجة من الجدل بعد نشرها تصريحات صادمة لرئيس الموساد السابق يوسي كوهين، الذي تحدث بصراحة غير مسبوقة عن لقاءات متعددة جمعته بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وتنسيق واسع النطاق لدفع مسار التطبيع إلى مراحل متقدمة، متجاوزًا جوهر القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني.
التصريحات التي تبدو كأنها رسالة سياسية مُحكمة من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، جاءت لتؤكد أن ما يجري خلف الكواليس ليس مجرد “تقارب” أو “تفاهمات”، بل هندسة شاملة لمسار تطبيع كامل يُعد له منذ سنوات، ويجري تسويقه على أنه خيار “استراتيجي” للسعودية الجديدة التي يبنيها بن سلمان.
هذه التسريبات تمثل ضربة قوية لكل خطاب سعودي رسمي ظل يراوغ بشأن موقف المملكة من القضية الفلسطينية. فوفقًا لكوهين، فإن ولي العهد السعودي لم يتردد يومًا في التعبير عن اقتناع تام بإمكانية القفز فوق حقوق الشعب الفلسطيني والتوصل مباشرة إلى سلام شامل مع إسرائيل. والأخطر من ذلك أن التطبيع ـ في رؤية بن سلمان ـ ليس مشروطًا بأي تقدم للفلسطينيين، ولا احترام لحق تقرير المصير، ولا حتى فتح مسار سياسي جاد، بل مجرد خطوة يمكن تمريرها عبر الدعاية والإعلام.
رؤية بن سلمان: التطبيع أولًا.. وفلسطين “لاحقًا”
كوهين، الذي يُعرف بقربه السياسي والعملي من بنيامين نتنياهو، قدّم في حديثه مع هآرتس صورة واضحة لرؤية بن سلمان: نسخة سعودية من النموذج الإماراتي، حيث يأتي التطبيع أولًا، بينما يتم تجاهل الملف الفلسطيني أو تأجيله إلى أجل غير مسمى.
هذه الرؤية ليست مجرد تحليل أو تخمين، بل تصريحات مباشرة من شخص كان جزءًا من الدائرة الضيقة التي أدارت اتفاقيات إبراهيم. ولم يُخفِ كوهين إعجابه بجرأة بن سلمان، واصفًا إياه بأنه “رجل قادر على اتخاذ القرار” وأن التطبيع مع السعودية يمثل “الجائزة الكبرى” لإسرائيل.
بهذا المعنى، فإن ولي العهد السعودي يظهر مستعدًا لاتباع خطوات الإمارات بحذافيرها: تحالف أمني واستخباراتي مع الاحتلال، تعاون اقتصادي وتكنولوجي، وتنسيق سياسي في ملفات المنطقة، مقابل تجاهل كامل للحقوق الفلسطينية التي تُدفن يوميًا تحت ركام غزة والضفة.
إف-35.. الثمن الغامض للتطبيع
تأتي هذه التصريحات بالتزامن مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صفقة بيع مقاتلات إف-35 للسعودية. هذه الطائرات لا تُباع عادةً إلا بشروط دقيقة، حفاظًا على ما يسمى “التفوق العسكري الإسرائيلي”.
وهنا يصبح السؤال:
هل حصلت السعودية على الضوء الأخضر الإسرائيلي مقابل التقدم في مسار التطبيع؟
وفق كوهين، فإن إدارة ترامب كانت أكثر “جرأة” في دفع السعودية نحو التطبيع، بينما يرى أن بايدن لم يوقّع أي “اتفاق سلام” جديد.
كوهين لا يتحدث هنا عن سلام يقود إلى دولة فلسطينية أو إنهاء الاحتلال، بل عن سلام يشرعن وجود الاحتلال ويمدده، بينما تستمر آلة الحرب الإسرائيلية في سحق غزة والضفة دون توقف.
لقاء نيوم 2020… لحظة كشف كل شيء
ما كشفه كوهين حول لقاء نتنياهو السري بمحمد بن سلمان في مدينة نيوم عام 2020 بحضور مايك بومبيو، يعيد هذا المشهد إلى الواجهة مجددًا. يومها أنكرت السعودية اللقاء، لكن تصريحات الموساد اليوم تؤكد أنه كان جزءًا من خطة منسقة لجرّ الرياض إلى اتفاقيات إبراهيم.
المسار توقف ـ مؤقتًا ـ بعد هجوم 7 أكتوبر 2023 الذي غيّر المعادلات السياسية والإقليمية. لكن تصريحات كوهين توضح أن المشروع لم يُلغَ، بل جُمّد في انتظار اللحظة المناسبة لبن سلمان، عندما يشعر أن بإمكانه بيع التطبيع داخل المملكة، وتقديمه على أنه “مصلحة وطنية”.
مشروع خطير يعيد تشكيل هوية المنطقة
الرسالة الأخطر في تصريحات كوهين هي التأكيد أن محمد بن سلمان يسير بوعي كامل نحو جعل السعودية شريكًا أمنيًا وسياسيًا لإسرائيل، حتى لو جاء ذلك على حساب دور المملكة التاريخي كقلب للعالم الإسلامي ورمز للدفاع عن القضية الفلسطينية.
هذا التحول ـ إن اكتمل ـ لن يكون مجرد اتفاق سياسي جديد، بل إعادة هندسة شاملة للهوية السياسية للمنطقة:
- تحويل السعودية من دولة مركزية في الصراع العربي–الإسرائيلي إلى شريك للغرفة الأمنية الإسرائيلية.
- تمزيق الموقف العربي المشترك.
- إعطاء الاحتلال دفعة استراتيجية هائلة.
- تعميق عزلة الفلسطينيين بعد أن خذلتهم الدول الأكبر وزنًا.
وبينما يسعى بن سلمان لتحسين صورته عالميًا قبل اتخاذ الخطوة الكبرى، يبقى السؤال ملحًا:
هل سيقبل الشعب السعودي والعالم العربي بأن يتم تهميش القضية الفلسطينية بهذه الطريقة؟
خاتمة: تطبيع بلا خجل.. ومستقبل على المحك
ما قاله يوسي كوهين ليس مجرد تسريب عابر، بل اعتراف خطير بأن محمد بن سلمان يهرول نحو تل أبيب بخطوات محسوبة، غير آبه بدماء غزة ولا بصرخات الضفة ولا بتاريخ بلاده الذي ظل عقودًا داعمًا لفلسطين.
اليوم، ومع كل تصريح جديد يخرج من تل أبيب، تتضح رؤية بن سلمان أكثر:
التحالف مع الاحتلال أولًا… والقضية الفلسطينية آخرًا.
ويبقى السؤال الأكبر:
هل سيُسمح لولي العهد بوضع السعودية في هذا المسار الخطير دون مساءلة من شعبها ومن شعوب المنطقة؟
إنه سؤال سيُشكّل مستقبل المنطقة بأكملها.







