تطبيع العلاقات بين لبنان و”إسرائيل”: طرح غير واقعي وسط تعقيدات سياسية وتاريخية

أثار المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف جدلًا واسعًا بتصريحاته حول احتمال انضمام لبنان إلى اتفاقيات التطبيع مع “إسرائيل”، وهو ما وصفه خبراء ومحللون بأنه طرح غير واقعي، نظراً للظروف السياسية الداخلية في لبنان والتاريخ الطويل من الصراعات مع الاحتلال الإسرائيلي.
في تقرير لموقع “المونيتور” الأميركي، أشار محللون إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب قد تبالغ في تقدير قدرة القيادة الجديدة في لبنان على الدفع نحو هذا المسار، خاصة مع استمرار التوترات الأمنية والرفض الشعبي القاطع لأي شكل من أشكال التطبيع.
🔹 الرهان الأميركي على متغيرات إقليمية وهمية
جاءت تصريحات ويتكوف خلال فعالية نظمتها اللجنة اليهودية الأميركية في واشنطن، حيث أعرب عن تفاؤله بأن التغييرات السياسية في لبنان، إلى جانب إزالة نظام الأسد في سوريا، قد تفتح الباب أمام مسار تطبيع بين لبنان و”إسرائيل”.
لكن الواقع اللبناني يطرح صورة مغايرة تمامًا، فلبنان ليس مجرد دولة عربية أخرى يمكن إدراجها بسهولة في اتفاقيات التطبيع، بل هو بلد عانى من حروب متكررة مع الاحتلال الإسرائيلي، وأي تحرك في هذا الاتجاه سيفجر صراعات داخلية حادة، وفقًا للمحلل السياسي كريم بيطار، الذي أكد لـ”المونيتور” أن أي مسؤول لبناني يدعم التطبيع سيواجه كارثة سياسية.
🔹 سياق إقليمي معقد: لماذا لا يمكن للبنان الانضمام إلى مسار التطبيع؟
- العداء التاريخي والصراعات المسلحة
- خاض لبنان حروبًا مدمرة مع “إسرائيل”، بدءًا من اجتياح 1978 واحتلال 1982، وصولًا إلى حرب 2006 والصراع الأخير الذي استمر 14 شهرًا بين حزب الله و”إسرائيل”.
- هذه الصراعات خلفت عداءً متجذرًا في الوعي الشعبي اللبناني، حيث ينظر معظم اللبنانيين إلى “إسرائيل” كدولة احتلال مارست جرائم حرب وانتهاكات متكررة.
- غياب الأرضية السياسية الداخلية
- حتى أكثر السياسيين اللبنانيين تقاربًا مع الغرب يدركون أن التطبيع غير قابل للتنفيذ حاليًا.
- لبنان يضم طيفًا واسعًا من القوى السياسية، بعضها مثل حزب الله وحلفائه، يعتبر أي تقارب مع “إسرائيل” خيانة وطنية.
- أي محاولة للضغط على لبنان بهذا الاتجاه قد تؤدي إلى تصعيد داخلي غير محسوب العواقب.
- الموقف العربي والإقليمي
- رغم توقيع اتفاقيات التطبيع في 2020 مع الإمارات والبحرين والمغرب، فإن دولًا رئيسية مثل السعودية ما زالت ترفض التطبيع دون حل عادل للقضية الفلسطينية.
- في حال قبول لبنان بأي مسار مشابه، قد يواجه عزلة عربية أو اضطرابات داخلية حادة.
🔹 ماذا تريد واشنطن من لبنان؟
تحاول الولايات المتحدة توظيف المساعدات المالية التي تقدمها للبنان، مثل الدعم المستمر للجيش اللبناني، للضغط باتجاه إحداث تغيير في التوازن السياسي الداخلي.
لكن المحلل السياسي ديفيد وود، من مجموعة الأزمات الدولية، أكد أن هذا الأسلوب قد يأتي بنتائج عكسية، لأن أي ضغط أميركي لتطبيع العلاقات سيؤدي إلى انهيار الحكومة اللبنانية وفقدانها للشرعية الشعبية.
كما أشار المحلل سام هيلر، المقيم في بيروت، إلى أن تصريحات ويتكوف تعكس تفاؤلًا مفرطًا بشأن قدرة الأميركيين على فرض تغيير جذري في السياسة اللبنانية، وهو أمر مستبعد تمامًا في الوقت الحالي.
🔹 التطبيع في لبنان: مستحيل سياسيًا أم مجرد مسألة وقت؟
رغم كل الجهود الأميركية، يرى الخبراء أن مسألة التطبيع ليست مجرد قرار سياسي يمكن اتخاذه بسهولة، بل هي مرتبطة بعمق بالهوية الوطنية اللبنانية والتوازنات الطائفية والإقليمية.
🔸 حتى في حالات التفاوض المحدودة، مثل اتفاقية ترسيم الحدود البحرية عام 2022، تم التعامل مع الملف بحذر شديد، بعيدًا عن أي شكل من أشكال “التطبيع السياسي”.
🔸 المحاولات السابقة، مثل اتفاقية 17 أيار/مايو 1983، التي انهارت بسبب المعارضة الداخلية، تثبت أن أي خطوة مماثلة في المستقبل ستواجه المصير نفسه.
🔸 وفقًا للمحلل السياسي وائل أبو فاعور، فقد تواصلت الإدارة الأميركية بالفعل مع مسؤولين لبنانيين بشأن إمكانية التطبيع، لكن الاقتراح رُفض بشكل قاطع.
🔹 خلاصة: هل تضغط واشنطن في الاتجاه الخاطئ؟
يبدو أن الإدارة الأميركية تفتقر إلى فهم عميق لديناميكيات المشهد اللبناني، حيث تظن أن التغييرات السياسية الأخيرة قد تفتح الباب أمام اتفاقيات مشابهة لاتفاقيات أبراهام.
لكن الواقع يؤكد أن لبنان بعيد كل البعد عن التطبيع، وأن أي محاولة أميركية لفرض هذا المسار قد تؤدي إلى تفاقم الأزمة السياسية والأمنية بدلًا من حلها.
وفي ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين وتصاعد العداء الشعبي تجاه “إسرائيل”، فإن احتمال تطبيع لبنان للعلاقات في المستقبل القريب يبدو شبه مستحيل، ما لم تحدث تحولات جذرية غير متوقعة في المشهد الإقليمي والدولي.







