بريطانيا تُجرّم التضامن مع فلسطين؟ استجواب ناشطة يفتح بابًا خطيرًا لقمع التعبير

في مشهد يعكس تحولًا مقلقًا في تعامل الديمقراطيات الغربية مع قضايا الرأي العام، استجوبت شرطة مسلحة في مدينة “كانتر بيري” البريطانية متظاهرة سلمية، وهددتها بالاعتقال بموجب قانون مكافحة الإرهاب، فقط لأنها رفعت علم فلسطين وحملت لافتة كُتب عليها “حرّروا غزة” و”إسرائيل ترتكب إبادة جماعية”.

الحادثة التي رصدتها صحيفة الغارديان وأثارت موجة جدل في الأوساط الحقوقية، ليست مجرد واقعة أمنية معزولة، بل مؤشر صارخ على انزلاق المملكة المتحدة نحو تقييد حرية التعبير، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية.

من الميدان إلى الاشتباه بالإرهاب: ماذا حدث؟

الناشطة لورا ميرتون، 42 عامًا، كانت تشارك في وقفة احتجاجية سلمية حين طوّقتها الشرطة المسلحة، متهمةً إياها بـ”الدعم غير المباشر لمنظمة محظورة”، في إشارة إلى Palestine Action، التي أدرجتها الحكومة البريطانية في يوليو الجاري كمنظمة إرهابية.

في مقطع فيديو وثقته ميرتون، يظهر أحد الضباط وهو يقول لها إن عبارات مثل “حرّروا غزة” قد تُفسر كدعم لتنظيم إرهابي، وفق المادة 12 من قانون الإرهاب. وهو تفسير خطير وغير مسبوق، يُحيل أي شعارات تضامن مع الضحايا إلى تهمة محتملة بالإرهاب.

ميرتون وصفت المشهد بأنه “ديستوبيا بوليسية”، مؤكدة أن احتجاجها كان تعبيرًا سلميًا بحتًا لا يحمل أي انتماء تنظيمي.

 تحليل قانوني: حين تتحول الشعارات إلى جريمة

القانون البريطاني لمكافحة الإرهاب، وخصوصًا مادته الثانية عشرة، يُجرم إظهار الدعم لمنظمات محظورة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. لكن الإشكال يكمن في غموض تعريف “الدعم غير المباشر”، الذي يسمح للأجهزة الأمنية بتفسير الشعارات السياسية العامة – مثل “حرروا غزة” – على أنها دعم ضمني لكيانات محظورة، حتى إن لم يُذكر اسمها صراحة.

محامون وحقوقيون حذروا من هذه الصياغات الفضفاضة، التي تفتح الباب لتجريم المواقف السياسية، وخلق “أثر رادع” يقيد حرية التعبير خوفًا من الملاحقة.

 Palestine Action: من الاحتجاج المدني إلى الحظر الأمني

حظر Palestine Action، وهي أول جماعة احتجاج مباشر تُمنع بموجب قانون الإرهاب، يمثّل تصعيدًا غير مسبوق. رغم أن أنشطتها اتسمت أساسًا باقتحام مقار شركات متورطة في تسليح الاحتلال الإسرائيلي، فإن تصنيفها كمنظمة إرهابية يفتح المجال لملاحقة أي شخص يعبر عن موقف مشابه، حتى من دون انتماء فعلي للجماعة.

ما يزيد القلق أن القضاء البريطاني رفض تعليق قرار الحظر رغم الطعن القانوني، مما يدل على تغليب واضح لمعايير “الأمن القومي” على حساب الحريات المدنية.

 انحدار ديمقراطي؟ تداعيات تتجاوز القضية الفلسطينية

توم ساوثرن من منظمة العفو الدولية وصف الحادثة بأنها “مقلقة للغاية”، مؤكدًا أن ما جرى “يهدد جوهر حرية التعبير في المملكة المتحدة”. وهو موقف تشاركه فيه أصوات أكاديمية وحقوقية بارزة، من بينها عالم الاجتماع عاموس جيفنز، الذي حذر من أن الحظر “سيساهم في خلق بيئة بوليسية تصمت فيها المعارضة باسم مكافحة الإرهاب”.

البروفيسور يوفال نوح هراري كان أكثر صراحة حين أكد أن “موجة تقييد الحريات في الغرب بدأت تظهر بشكل واضح عند كل لحظة تضامن مع فلسطين”، محذرًا من تداعياتها على تماسك المجتمعات الديمقراطية نفسها.

 التضامن مع غزة تحت المقصلة

حادثة استجواب لورا ميرتون لم تكن فقط اختبارًا لمدى التزام بريطانيا بمبادئ حرية التعبير، بل عكست حجم التحول الذي تشهده بيئة الحقوق والحريات في الدول الغربية عند اقترانها بالقضية الفلسطينية.

اليوم، بات رفع علم فلسطين أو انتقاد جرائم الاحتلال يُقابل بالاشتباه في دعم الإرهاب، وهو منحنى خطير قد يُسهم في ترهيب الأصوات المناصرة للعدالة، ويقوض إمكانات التظاهر والتعبير السلمي في الفضاء العام.

إن ما يحدث لا يجب أن يُنظر إليه كجدل داخلي بريطاني، بل كمؤشر عالمي على تعميم خطاب القمع تحت عنوان “مكافحة الإرهاب”، وهو ما يستدعي من الناشطين والمنظمات التحرك لوقف هذه الموجة قبل أن تتحول إلى “وضع طبيعي” جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى