“المساعدات الإنسانية” الإسرائيلية للدروز في السويداء.. أهداف خفية وتحركات استراتيجية

أعلنت وزارة خارجية الاحتلال الإسرائيلي عن تقديم “مساعدات إنسانية” للدروز في محافظة السويداء جنوب سوريا، تضمنت عشرات الآلاف من الحزم الغذائية. هذه الخطوة أثارت تساؤلات حول الأهداف الحقيقية للاحتلال، خاصة في ظل تاريخه في استغلال الأزمات الإنسانية لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية.

السياق العام للتحرك الإسرائيلي

يأتي الإعلان عن هذه “المساعدات” في وقت تشهد فيه السويداء توترات متصاعدة، وسط محاولات أطراف إقليمية ودولية للتأثير على المشهد السوري. ويُعرف عن الاحتلال الإسرائيلي تبنيه استراتيجية “إضعاف العدو من الداخل”، وهو ما يتجلى بوضوح في سياساته تجاه سوريا منذ بداية الأزمة عام 2011.

منذ الإطاحة ببشار الأسد، حرصت “إسرائيل” على منع أي استقرار في سوريا، وعملت على تقويض النفوذ الإيراني والروسي هناك، وتحديداً في الجنوب السوري. وقد شكلت السويداء، ذات الغالبية الدرزية، محور اهتمام الاحتلال، الذي لطالما استثمر في الأقليات لتعزيز نفوذه، سواء عبر التجنيد غير المباشر أو الدعم العسكري والاستخباراتي.

الدروز وعلاقتهم بالاحتلال.. تعاون قديم متجدد

يُعرف عن الاحتلال الإسرائيلي استقطابه لبعض الفئات الدرزية، خصوصًا داخل أراضي 48، حيث تم فرض الخدمة العسكرية الإلزامية على الدروز في جيش الاحتلال. وقد شارك العديد منهم في عمليات ضد الفلسطينيين، وكان أبرزهم إحسان دقسة، قائد اللواء 401، الذي قُتل في العدوان الأخير على غزة.

كما يسعى الاحتلال إلى توظيف أبناء الطائفة الدرزية في مخططاته التوسعية، وهو ما يفسر فتح الباب أمام الدروز السوريين للعمل في هضبة الجولان المحتلة، وفق تصريحات وزير الحرب يسرائيل كاتس. هذه الخطوة قد تكون محاولة لخلق تكتل درزي موالٍ للاحتلال، خاصة مع الزيارة المتوقعة لـ100 شخصية درزية سورية إلى الجولان للقاء زعيم الطائفة الدرزية لدى الاحتلال، موفق طريف.

المساعدات.. غطاء للتغلغل السياسي والعسكري

المساعدات الإنسانية لطالما كانت أداة استخباراتية في يد الاحتلال الإسرائيلي، حيث استخدمها مسبقًا في جنوب لبنان خلال الثمانينات والتسعينات لإقامة “جيش لبنان الجنوبي”، وكذلك في مناطق سيطرته في الجولان المحتل.

وفي الحالة السورية، فإن إرسال مساعدات غذائية ليس سوى غطاء لعدة أهداف:

  1. استقطاب الدروز السوريين وإيجاد حلفاء داخل السويداء: تمهيدًا لإقامة كيان درزي شبه مستقل على غرار “جيش لبنان الجنوبي”.
  2. خلق حالة من الانقسام الداخلي: عبر تقديم الدعم لفئة معينة، مما يثير توترات داخل المجتمع السويدائي بين مؤيد ومعارض لهذا النفوذ.
  3. توسيع النفوذ الإسرائيلي في الجنوب السوري: حيث يمكن استغلال هذه العلاقات لاحقًا لتعزيز التواجد الاستخباراتي وربما العسكري بالقرب من الحدود الأردنية والسورية.

ردود الفعل المحتملة والمخاطر

قد يواجه هذا التحرك رفضًا داخليًا من أطياف درزية ترفض التطبيع مع الاحتلال، خاصة أن العديد من دروز السويداء وقفوا مع القضية الفلسطينية في عدة محطات تاريخية. كما أن أي دعم إسرائيلي قد يُفسر على أنه مقدمة لتدخل أكبر في الشأن السوري، مما قد يثير رد فعل إيراني أو روسي، خاصة أن موسكو تمتلك نفوذًا في السويداء من خلال الفيلق الخامس وبعض القيادات المحلية.

إن تقديم الاحتلال الإسرائيلي “مساعدات غذائية” للدروز في السويداء ليس خطوة إنسانية، بل امتداد لاستراتيجية طويلة تعتمد على تفتيت المجتمعات واستغلال الأقليات لإضعاف الدول المستهدفة. ومع تصاعد التحركات الإسرائيلية في الجنوب السوري، تبقى التساؤلات قائمة حول كيفية رد الفعل السوري والإقليمي تجاه هذا التغلغل الجديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى